ال
علاقة بين الصُّوفِيِّ والسِّيَاسِيِّ(السلطان)
في المغربي الإسلامي
أ. عبد العزيز بومهرة
جامعة قالمة
الملخص:
تستهدف هذه الدراسة بيان الأثر المتبادل بين السياسي والصوفي في المغرب الإسلامي. وهكذا فإن العلاقة بينهما كانت دائما مثارا للجدل والنقاش.
وكان السلطان في غالب الأحيان منزعجا من المتصوفة لأنهم أكثر الناس تواصلا مع المجتمع، يقدِّمون له النصائح، ويعظونه وينيرون له السبيل. والسلطان يخشى ثورة العامة عليه.
ولذلك كان ردّ فعل المعز بن باديس على ظاهرة محمد بن عبد الصمد وتأليفه الناس وتجميعهم من حوله عنيفا ساخطا. وشبيه بذلك ما فعله المنصور الموحِّدي حين استدعى أبا مدين شعيب من بجاية لينظر في أمره، بعدما وصلته أخبار عن تعاظم شعبيته وكثرة أتباعه ومناصريه.
حين قَوِيَ تيار التصوف في القرن الثامن للهجرة انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، وانعكست الأمور، فأصبح الصوفي هو المهاجم الرافض لسلوك السلطان مع العامة، وسوء تسييره لشؤونها. وقد رأينا ذلك مع مع ابن عاشر وأبي عنان المريني، وابن عبَّاد الرندي وأبي فارس عبد العزيز.
التّصوّف والسّلطان:
ظلّت العلاقة بين السّلطان والأديب تتأرجح بين مدّ وجزر، وكلّما أوغل العالم في تعبده، وابتعد عن الحياة الدّنيا زهد في التّقرّب من السّلطان وازداد إعراضا عنه، بله السّعي إليه، إلاّ أنّ هناك أدباء وعلماء تهالكوا على البلاط فاحترقوا بناره( ).
ذلك أنّ السّعي الحثيث لكلا الطّرفين كان دائما هو الوصول إلى قلوب العامّة وجعلها تلتفّ حوله، تناصره وتذبُّ عنه وتؤيّده.
وكان الصّوفيّ، دائما، أقربَ إلى الحصول على هذه الحالة. وكانت منافسة السّلطان له أشبه بالموقف بين الزّوجة الأولى وضرّتها فهي لا تقبل أبدا بمشاركة امرأة أخرى لها في قلب الزّوج. رأينا ذلك في مواقف كثيرة، نقف عند نموذجين منها، الأوّل جرت وقائعه في القيروان بين المعزّ بن باديس( ) وأبي الحسن محمّد بن عبد الصّمد( ). والأخر بين المنصور الموحّديّ( )حفيد عبد المؤمن بن عليّ الّذي كان مقيما في عاصمته بمرّاكش وأبي مدين شعيب( ) الصّوفيّ الأندلسيّ الشّهير الّذي كان مقيما ببجاية. لجأ السّلطان فيها إلى استعمال نفوذه وقوّته ضدّ الصّوفيّ الزّاهد المتعبّد لسبب وحيد هو التفاف العامّة حوله، وكثرة مريديه. وخشية السّلطان على ملكه من هذه الشّعبيّة المتزايدة للمتصوّف حقيقة ناصعة، وهي ما فرض عليه قصَّ جناح هذا الصُّوفي الزّاهد وذاك، وزحزحته عن عرينه، وإخراجه من بين المناصرين الكثيرين، والمريدين الأوفياء.
الأوّل اضطرّ إلى الخروج من القيروان بقصد الحجّ، والآخر اُسْتُدْعِيَ على عجل إلى مرّاكش للنّظر في أمره.
بين المعزّ وأبي الحسن محمّد بن عبد الصّمد:
وفد محمّد بن عبد الصّمد من المغرب الأقصى إلى القيروان وكان "رجلا صالحا فاضلا واعظا زاهدا صوفيّا"( ). اتّخذ له مجلسا بالجامع الأعظم بالمدينة يجتمع فيه إلى النّاس، يعظهم ويدعوهم إلى الطّاعة والتّقوى " له لسان فصيح وقلب قريح كثير الحزن والبكاء والخوف. من أولياء الله عزّ وجلّ المنقطعين إليه الخائفين المتبتّلين القائمين الصّائمين"( ) وكانت له طريقة في الزّهد والوعظ لم يعهدها النّاس من قبل، فكثر المستمعون إليه والمجتمعون من حوله، والسّالكون نهجه ومريدوه. وذاع صيته وطبّقت شهرته الآفاق، فسمع به المعزّ
وخافه على ملكه، فحذّره، وأسمعه كلاما ينمّ عن عدم رضاه بما يفعل، فلمّا لم يفهم قصده طلب منه أن يعيره بعض كتبه. بقيت الكتب مدّة عند المعزّ ثمّ أرجعها. وعندما تصفّحها الصّوفيّ وجد ورقة داخل أحدها مكتوب عليها بخطّ المعزّ " زعمت ملوك الفرس وحكماء السِّيَر والسّياسة أنّ أهل التّنمّس والوعظ وتأليف العامّة وإقامة المجالس أضرّ الأصناف على الملوك، وأقبحهم أثرا في الدّول، فيجب أن يُتَدارك أمرهم ويُبادر إلى حسم الأذى منهم"( ). فهم الصّوفيّ ابن عبد الصّمد أنّ السّلطان منزعج من إقامته بالقيروان، وأنّه يأمره بالخروج منها. فاستأذن مغادرا إلى الحجّ سنة 441. أوكل به السّلطان بعض حرسه لمرافقته إلى قابس، وأصدر الأمر إلى وَالِيهِ هناك بالحذر منه وحراسته، ومنع الاجتماع به، وفرضت عليه الإقامة الجبريّة بالمكان الّذي نزل به.
انتظر بالمدينة مرور قافلة الحجّ.
خاف النّاس شرّ السّلطان فامتنعوا عن لقائه والاجتماع به ومن كان يمتدحه صار يذمّه.
وحين خرج الصّوفيّ من المدينة لَقِيَهُ أعرابيّ فقتله، وكثر التّظنّي من النّاس على السّلطان أنّه هو الّذي دسّ له الأعرابيّ، واتّهموه بقتله.
وصل الخبر إلى والده الصّوفيّ الواعظ هو الآخر بجامع عمرو بن العاص بمصر. فتنعَّل
وخرج ملبّيا للحجّ في حينه من دون العودة إلى بيته. فلحقه خلق عظيم " وكان يطوف بالبيت ويتعلّق بستار الكعبة ويصيح ويقول: يا ربّ المعزّ عليك به! يا ربّ عليك بابن باديس"( ).
وفي تلك الأثناء كان المعزّ يعاني الأمرّين من هجمات الهلاليّين الّذين شدّدوا عليه الخناق وهزموه شرّ هزيمة، فلم يشكّ أحد بأنّ دعوات والد الصّوفيّ الشّهيد قد استجيبت.
بين المنصور وأبي مدين شعيب:
وهو أمر أشبه ما يكون بما وقع بين المنصور وأبي مدين الغوث،بعد ذلك بما يقارب القرن،فقد تناهى إلى مسامع المنصور أنّ عالما واعظا صوفيّا كبيرا قد اجتمع إليه النّاس، وكثر أتباعه ومريدوه في مدينة بجاية. يَفِدُ عليه النّاس من كلّ صوْب وحدب.وأصبح أشبه بالمهديّ عند الموحّدين.وهذه هي الصّورة الّتي رسمها علماء الظّاهر لأبي مدين عند المنصور، وخافه ورغب في لقائه واختباره، فأرسل إلى صاحب بجاية أن يحمله على خير وجه، ويرسله إليه، فلمّا علم أصحابه شقّ عليهم فراقه، وخافوا بطش السّلطان به."فسكّنهم وقال:إنّ منيّتي قربت،وبغير هذا المكان قدّرت ولا بدّ منه.وقد كبرت وضعفت لا أقدر على الحركة، فبعث الله لي من يحملني إليه برفق، وأنا لا أرى السّلطان ولا يراني، فطابت نفوسهم."( ).وعندما اقترب من تلمسان وبدا العبّاد قال لأصحابه ما أصلحه للرّقاد، ومرض مرض الموت ودفن به سنة 594هـ. وكان مشهد جنازته عظيما خرج أهل تلمسان عن بكرة أبيهم يسيرون وراءه.
توفّي السّلطان بعده بأقلّ من سنة، وكأنّه عوقب بما ألحق من أذى لهذا العالم العابد.
هذه مواقف متشنّجة بين الصوفيّ والسّلطان كان الأخير متحاملا فيها على الأوّل، ومستبدّا به. وهناك مواقف أخرى عرفها المغرب المرينيّ في القرن الثّامن للهجرة سجّلت وقفة تحدّ للسّلطان وإذلال له أحيانا. وسنعرض لحادثتين وقعتا بين السّلطان، وفقيهين متصوّفين، الأولى جرت بين المتصوّف الكبير أبي العبّاس أحمد بن عاشر (765)هـ( )، والسّلطان أبي عنّان المرينيّ(759)هـ( )، والثّانية جرت بين ابن عبّاد( ) وهو أحد تلاميذ العالم الأوّل، والسّلطان عبد العزيز المرينيّ( ) (774) هـ. والملاحظ أنّ هذا الصّدام جرى في المغرب المرينيّ من دون سائر أقطار المغرب الإسلاميّ الأخرى( )، ولذلك دلالات كثيرة ومتداخلة أيضا، فهذا البيت –المرينيّ- عُرف بتشجيعه للعلماء وتقديمه لهم ممّا جعلهم يقبلون على الإقامة في كنفه على الرّغم من أنّ التّاريخ قد سجّل لنا أخبار العلماء الّذين ذاقوا الأمرّين على يده، منهم عبد المهيمن الحضرميّ، وابن خلدون، وابن مرزوق وابن الخطيب، والشّريف الحسنيّ التّلمسانيّ والمقّري، وغيرهم كثيرون.
ولكنّه لا يلبث أن يعود إلى احتضانهم ورعايتهم.
ولا شكّ في أنّ ذلك مردّه إلى أنّ هذا القطر كان صاحب الحظّ الأوفر في القوة العسكريّة والجبروت. فقد نال منه جيرانُه، شمالا وشرقا، حظّهم من طُغيانه وتَجبُّره.
(1) بين ابن عاشر وأبي عنّان:
تبادل أبو العبّاس أحمد بن عاشر، والسّلطان أبو عِنان الرّسائل، حين بعث هذا الأخير ابنه مستعطفا بعدما تعذّر عليه هو ملاقاة هذا الوليّ الصاّلح فكتب إليه ابن عاشر رسالة بليغة دعاه فيها إلى التّوبة والعمل الصّالح والاعتبار بسير الخلفاء الرّاشدين وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من الصّالحين، والتّفكير فيما وعد الله به عباده الصّالحين وما توعّد به عباده الظّالمين. لا يني – من خلال ذلك – عن الغمز من قناته يقول: "...و ليكن أمير المؤمنين مشفقا على نفسه، وليعمل في يومه لما فرّط في أمسه، ومن كان يومه شرّا من أمسه فيا حسرته، ويا وحشته، ويا فجعته، وأعظم المصائب إعراضه عن ربّه عزّ وجلّ....كان عمر بن عبد العزيز يقرأ قوله تعالى: " أفرأيت أنّ متّعناهم سنين ثمّ جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يُمتّعون.."( ). هذا النّصّ الّذي يسوقه ابن عاشر في مجال التّذكير
والوعظ يراوح بين مستويين من الخطاب، في البداية يباشر النّصيحة، ويبيّن الضّرورة في تصرّفات السّلطان، وفي النهاية يسوق له أعمال الصّالحين من الملوك السّابقين، ويتخيّر عمر بن عبد العزيز نموذجا للسّلطان العادل، وهو يعتبر بآيات من القرآن الكريم الّتي تؤكّد زوال المتعة مهما طالت، إذ لا مندوحة عن لقاء الله والخضوع للحساب. هذان المستويان من الخطاب، والنّصيحة المباشرة الّتي أدارها المتصوّف بضمير الغائب، ثمّ قصّة عمر بن عبد العزيز على سبيل الاتّعاظ والاعتبار، لا شكّ في أنّهما سيصيبان السّلطان المرينيّ بالأرق؛ فقد أصبح يعيش حالة من الانكشاف تجلّت في إحساسه بالحيرة والقلق. إلاّ أنّ هذا المتصوّف الكبير لا يكتفي بهذه الصّورة النّاصعة الّتي يقدّمها عمر بن عبد العزيز للسّلطان الخاشع الّذي يخشى لقاء ربّه، وإنّما يعقبها بنماذج كثيرة من تصرّفات الخلفاء والسّلاطين
والأئمّة، وهي تُجمع على زوال الأجساد، وبقاء الأعمال الصّالحات، وفي أثناء ذلك الحشد من الصّور، يفجأ السّلطانَ بتساؤل عن مصير آبائه وأجداده " ولك العبرة في آبائك وأجدادك، فقد صاروا إلى الله عزّ وجل، ولا تدري ما قال لهم، ولا ما قالوا له..."( ). هذه الأمثلة الّتي يوردها ابن عاشر، جميعها تستهدف إنارة بصيرة السّلطان الّذي استهلّ مدّة ولايته بجريمة كبيرة تمثّلت في حربه لوالده وافتكاك العرش منه. ولكنّه لم يستغن بها. ويتوجّه إلى ربّه تائبا، أو يشمّر عن ساعديه وينطلق خفيفا إلى ميدان الجهاد منجدا إخوة له في الدّين يُقتلون. بل ازداد غيّا يلوّث يديه بقتل المسلمين شرقا وغربا.
ومن هنا كان إعراض هذا المتصوّف الزّاهد عن لقائه، وحين سعى السّلطان لملاقاته في المسجد حجبه الله عنه وهو أمامه( )، بل إنّه اشترط عليه الشّروط ليدعو له يقول:"...وإن رجع أمير المؤمنين، وأشفق على نفسه ورعيّته، رجوت أن يقبله الله تعالى، وأن يمنّ عليه بفضله..."( ) انظر إلى هذه الكلمات القليلة وتمعّن فيما تحمله من دلالات لا حدود لها من الثّقة بالنفس والإيمان بالله، ولنتأمّل الجملة الأولى: وإن رجع أمير المؤمنين، إذا فالسّلطان غير مشمول برحمة الله، إذ هو خارج عنه، ذاهب بكلّه عن الله، ولذلك عليه أوّلا أن يرجع إلى ربّه، ويعلن التّوبة، ويطلب الغفران، وذلك ليس من أجل غيره وإنّما شفقة على نفسه أوّلا، ثمّ رعيّته، فحين يأتي السّلطان المعصية، ولا يخشى ربّه، فإنّ رعيّته هم الّذين سيتلقّون أولى ضرباته، كما أنّهم يتحملون وِزره في المعصية، حتّى يثوروا عليه، ويلزموه الحدود أو ينزلوها به. وعندما يعلن السّلطان توبته، ويبدو ذلك في أفعاله وتصرّفاته، عندها يرجو ابن عاشر ربّه كي يقبل توبته، ويدعو من أجل أن يمنّ الله عليه بالفضل.
ثمّ، ألا تقدّم لنا هذه الكلمات الّتي بعثها ابن عاشر إلى السّلطان صورة العالم المتصوّف الزّاهد، الّذي يتمتّع بثقة عالية بالنّفس، وينعدم لديه أيّ شعور بالاحترام أو الخشية نحو السّلطان؟
لقد امّحت – فجأة – من فنّ الرّسالة كلّ عبارات النّفاق والمجاملة، وزالت تقاليد تقديم فروض الطّاعة، والدّعاء الطّويل للسّلطان بطول البقاء، ونيل الرّحمة، ثمّ بيان المجد المتوارث أبا عن جدّ، وقد يرى الكاتب، أحيانا، ضرورة إضفاء نسب شريف عليه طلبا لرضاه. كلّ هذه الأمور طارت في الهواء، ونحن نقرأ الرّسالة الطّويلة( ) الّتي أرسلها ابن عاشر إلى أبي عنّان، بعدما بعث إليه ابنه مستعطفا، وكان قد ردّه حين طلب –هو- لقاءه كما مرّ معنا منذ قليل.
وإنّ من أكثر الأمور دلالة، على الطّريقة الجديدة في التّعامل مع السّلطان، هي غياب ضمير الجمع، إذ استعاض عنه الكاتب بضمير المخاطب المفرد مثل "...رجع، وأشفق، وليكن، وليعمل..." ولعلّنا نستشفّ من هذه الأفعال معاني لم يكن السّلطان ليقبل بها من أيّ شخص آخر، إنّها تهوى بمهابة السّلطان إلى الحضيض، فتتعامل معه باعتباره شخصا مخطئا، عاصيا، يجب ردّه إلى رحاب الدّين.
وحين يجيب( ) أبو عنّان نلاحظ أنّه يجاري هذا العالم ويتوسّل إليه منذ البداية، بأسلوب لم نعهده في الرّسائل السّلطانيّة، فقد قبل التّخلّي عن ضمير الجمع، وأسبغه على المتصوّف ابن عاشر، واكتفى بضمير المخاطب المفرد "...فإنّه وصلني كتابكم..." ولكنّنا لا نرى مقابل ذلك أيّ تنازل من هذا العالم الكبير بل إنّ محاولات السّلطان تنقطع عن طلب اللّقاء به ممّا يؤكّد يأسه من ذلك. ولم تفلح التّأكيدات الّتي حفلت بها رسالته عن اتّعاظه بما قال له، وقبول نصحه ونهيه، وتبيان طريق الصّواب في أمور المسلمين، واعدا بالنّهوض إلى إنصاف المظلومين، متضرّعا إلى الله ناشدا المساعدة، والتّوفيق إلى تليين مواقف الشيخ الصوفي.
ثمّ يعترف بندرة الرّجال الصّادقين، فيمن حولَه، ينهضون بالأعباء نيابة عنه، "...فلا رجل ولي عملا إلاّ ظلم وتجبّر، ولا مؤتمن يركن إليه إلاّ خان وفجر، ولا جليس يستعان بنهاه إلاّ آثر دنياه، واتّبع هواه..."( ) إنّه اعتراف خطير بندرة العامل المنقطع لعمله بصدق
وإخلاص في بلاط السّلطان لأنّه يعلم أساسا أنّه أستاذه فيما يذهب إليه، وحتى الكتّاب والعلماء الّذين يتقرّبون منه، ويسعون إلى الحظوة في بلاطه إنّما يطلبون العون على صعوبة الحياة، ومشقّتها، وهم في سبيل ذلك يجاملونه وينافقونه، هكذا هي حال بلاط كلّ سلطان، لا يقرب منه سوى المنافق والمجامل لأنّه أصلا لا يطلب منهم غير ذلك، بل ويرفضهم إن أناروه،
ويعنّفهم إن نصحوه، ولذلك فهو لا يجد لديهم الصّدق والاخلاص الضّروريين، إنه زمن رديء، أتى على المسلمين، وهم في حالة ضعف، فأضاعهم وأضاع بلادهم، وشرّدهم شذر مذر.
(2) بين ابن عبّاد وأبي فارس عبد العزيز:
وكتب الفقيه المتصوّف ابن عبّاد الرنديّ (792) هـ، إمام جامع القرويّين، وخطيبه( )، إلى أبي فارس عبد العزيز المرينيّ (774) هـ، منتقدا بعض أعماله المضرّة بالنّاس والمنافية للشّرع، ومستنكرا تصرّفات عمّاله مع المسلمين. فاستهلّ رسالته مذكّرا بما كان طالب به في كتبه السّابقة إلى السّلطان، عن ضرورة إزالة مظالم الرّتب( ) مؤكّدا أنّه شاهد مفاسد تشين السّلطان، وتكدّر صفو الأمن، ولكنّه مع ذلك يراها ما تزال قائمة تزيد من قهر المسلمين، وظلمهم، لذلك فهو يجدّد رغبته في إزالتها لما يعيثه جامعوها من فساد وشرور بالرّعية ذلك أنّهم "...حازوا منهم الأموال الحرام بالنّهب والغصب( )، استعانوا على ارتكاب الكبائر
والفواحش حيث لا تنالهم أحكامكم، وهم أراذل النّاس وسفهاؤهم، لم يدينوا لله( ) بدين، ولا دخلوا في غمار المسلمين..."( ).
ويبدو ابن عبّاد، وكأنّه يجهد نفسه كثيرا كي يفصل بين السّلطان وعمّاله الّذين يجمعون الضّرائب والمغارم فهو وإن تغافل عن ذكر السّلطان، فإنّه لا يوفّر على عمّاله أيّ صفة سيّئة. هؤلاء العمّال الظّالمون مرتكبو الكبائر الخارجون على الدّين لا يحسّون بمواجع عامّة المسلمين لأنّهم لم يتّصلوا بهم إلاّ للنّهب والاغتصاب، وهذه التصرفات وصمة عار تلحق السّلطان كذلك، فهم نوّابه الّذين يتصرّفون باسمه. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ السّلطان لم يتعرّض لانتقاد هذا العالم مباشرة، بل إنّنا نراه يحمّله المسؤوليّة الكاملة فيقول "...عليكم أن تتفقّدوا عمّالكم، وتعتقدوا ذلك من صالحات أعمالكم، وممّا يجب لرعيّتكم عليكم..."( ). فمسؤوليّة التّفقّد، والوصاية، تستوجب مسؤوليّة النّتائج، وهؤلاء العمّال في نظر ابن عبّاد قد اشتروا رضا أنفسهم بسخط الله حين قهروا النّاس، وأذلّوهم بمنكرات الجباية( )، مستأثرين بجلّ ما يجْبُون، ثمّ يوجّه تهديدا مبطّنا للسّلطان بقوله "...و أعظم المصائب سؤال الله لكم عن ذلك،
ودعاء المظلومين عليكم، وقد ورد في الحديث: أنّ دعوة المظلوم مجابة، وإن كانت من كافر..." .
هذه الكلمات الصّريحة المباشرة الخطاب، إدانة كبيرة للسّلطان، دينيّة، بسؤال الله له عمّا أجرم، ودنيويّة بنقمة عامّة النّاس عليه.
ثمّ يعدّد شروطا حدّدها العلماء وصولا إلى العدالة، ولا بدّ أن يتحلّى بها عمّاله وولاته في المدن الشّاسعة منها: مسؤوليّة اختيار هؤلاء العمّال، وتفقّد تصرّفاتهم، ومحاسبتهم على ما ملكوا من مال، ليحظى بيت المال بحقّه، فيملأ ويعمّ الرّخاء، وتنتفي مظاهر الظّلم والمغارم. ودعاه للاقتداء بما كان يفعله الخلفاء الرّاشدون( ) أو على الأقلّ أن يكون مثل والده الّذي أشيع عنه إلغاء هذه الغرامة. والكاتب يميل إلى تصديق هذه الإشاعة لما اشتهر به والده من عدل، وقيام بالحقّ، وتعميم السّنن الحميدة، وإلغاء غيرها . لكنّه يستدرك بسرعة كي لا يحمل كلامه على عواهنه، فدعاه إلى استعراض سيرة والده "...مدّة خلافته على مقتضى الدّين والشّرع، فما رأيتم من ذلك موافقا فاقرّوه، واحمدوا الله على توفيقه له ولكم، وما رأيتموه مخالفا فأزيلوه، واستغفروا له ربّكم، واحمدوا الله على ما ألهمكم، ولا تحملوا حاله كلّه على الإصابة، والموافقة فتتبّعوه من غير نظر.."( ). هذه المحاولة الكبيرة، والشّاقّة للضّغط على السّلطان المرينيّ، حتّى يتوخّى السّلوك الدّينيّ الشرعيّ في تعامله مع رعيّته، يتوسّل إليها الكاتب بكلّ ما يمكن أن يوفّقه، فأخافه من غضب الله، ودعاء المظلومين عليه، ثمّ دعاه إلى تحمّل مسؤوليّته، وها هو يغريه بتتبّع خطوات الخلفاء الّراشدين، أو على الأقلّ والده السّلطان الشّهير أبا الحسن، لكن بتحفّظ كبير، وهو أن تكون تلك السّيرة سليمة شرعا. وحين يؤكد له أنّ أعمال والده ليست كلّها سليمة، يدعوه إلى فرزها، فيدع ما يخالف الشّرع والدّين، ويأخذ ما صحّ منها. وربّما كان هذا الاجتهاد في إظهار الضّرورات الدينيّة،
وتعليمها للسّلطان هو ما أدّى إلى هذا الأسلوب المفكك واللّغة السّهلة البسيطة، والتّعابير الثّقيلة أحيانا، لكنّها بالتأكيد ليست نموذجا صحيحا لأسلوب ابن عبّاد الرّاقي المشرق، الّذي يطالعنا به في رسائله الكثيرة، بل وحتّى في بعض تآليفه( ) ولكنّه لا يكتفي بما قدّم من أمثلة، ونماذج لتحفيز السّلطان إلى اتّقاء ربّه في تصرّفاته، وتصرّفات عمّاله وولاته، بل إنّه يبعث الغيرة في نفسه، حين يذكِّره بإقدام أخيه أبي عِنان (759) هـ، على إلغاء هذه الضّريبة المجحفة بحقّ النّاس.
إنّ هذه الوقفة الشّجاعة من ابن عبّاد تقدّم لنا صورة ناصعة لمتصّوفة هذا العهد، فقد بذلوا جهودا كبيرة من أجل إصلاح فساد السّلاطين، ومنذ قليل، رأينا كيف تعامل ابن عاشر، وهو أستاذ لابن عبّاد في التّصوّف، مع السّلطان لأبي عنّان.
ومن هنا تبدو أهميّة الثّقافة الدّينيّة والاتّجاه الصوفيّ بخاصّة، إذ أنّ تهافت العامّة والخاصّة، على حدّ سواء، على تلقّي هذا اللّون من الثّقافة والخضوع الّذي يشبهه خضوع العبد إلى ربّه يعدّ سمة ذلك الاتّجاه.
ولعلّ هذه الشّعبيّة الّتي يحظى بها هؤلاء المتصوّفة والأولياء هي الّتي زعزعت نفوس السّلاطين في بعض الأحيان، فقد شهر عن أبي الحسن المرينيّ وأبنائه من بعده خشية معلنة من هؤلاء العلماء المتصوِّفة.