ســـــــــيدي الشــــــــــيخ
منتدى سيدي الشيخ يرحب بكم...أهلا وسهلا

الرجاء الدخول بالنسبة للأعضاء ...أو التسجيل بالنسبة للزوار

ســـــــــيدي الشــــــــــيخ

منتدى خاص بالتعريف بشخصية الولي الصالح سيدي عبد القادر بن محمد و ترقية تاريخ وتراث الأبيض سيدي الشيخ.
 
الرئيسيةس .و .جبحـثSIDI CHEIKHالتسجيلدخول
ومــا أقـبـح التسـويـف عــن قــرب بـابـنـا *** ومـــا أحـســن التشـمـيـر قـبــل الإفــاتــة.
من تائية الياقوت لسيدي الشيخ

ولا تـسـمـعــن قــــــول عــــــاد  مــعــانــد***  حــســود لـفـضــل الله بـــــادي  الـتـعـنــت
ومــن يـنـسـبـن إلـيـنــا غــيــر  مـقـولـنـا ***  يــصــبــه بـــحـــول الله أكـــبـــر  عـــلـــة
ومــوت عــلـى خــــلاف ديــــن  مـحـمــد ***  ويـبـتـلـيــه الــمــولــى بــفــقــر  وقـــلـــة
وبـــطـــش وشــــــدة انتقام وذلـــــــة *** ويــردعـــه ردعـــــا ســريـــع الإجـــابـــة

من تائية الياقوت لسيدي الشيخ

المواضيع الأخيرة
» أبناء لا أصحاب الأبيض سيدي الشيخ " ورقة أخرى من الأرشيف "
أمس في 15:45 من طرف CKB

» السنة الهجرية
أمس في 14:18 من طرف ABC123

» جمعة مباركة إن شاء الله
الجمعة 24 أكتوبر 2014 - 12:01 من طرف دين نعيمي

» افتتاح زاوية سيدي الشيخ بمدينة وجدة المغربية
الخميس 23 أكتوبر 2014 - 16:45 من طرف نفيسة

» قصيدة للشاعر عبد الله بن كريو
الأحد 19 أكتوبر 2014 - 19:47 من طرف دين نعيمي

» خلية المراجعة عن بعد
الأحد 19 أكتوبر 2014 - 11:45 من طرف محمد بلمعمر

»  نص الرسالة الموجهة إلى معالي وزيرة الثقافة الجزائرية
الجمعة 17 أكتوبر 2014 - 20:57 من طرف CKB

» صدور كتاب جديد.....
الإثنين 13 أكتوبر 2014 - 17:03 من طرف abdelhak96

» ترحيب من عضو جديد يريد التعارف
الإثنين 13 أكتوبر 2014 - 4:28 من طرف محمد بلمعمر

» مـُــذكــّــرتي بالوصــل
السبت 11 أكتوبر 2014 - 14:01 من طرف CKB

» كتب اولاد سيدي الشيخ.
السبت 11 أكتوبر 2014 - 13:27 من طرف نفيسة

» اعلان هام جدا
الجمعة 10 أكتوبر 2014 - 11:52 من طرف دين نعيمي

» نكـــــــــــت مميزة
الخميس 9 أكتوبر 2014 - 21:57 من طرف محمد بلمعمر

» طلب التسجيل
الخميس 9 أكتوبر 2014 - 21:39 من طرف محمد بلمعمر

» ركن المطبخ: السلطة الشهيرة
الخميس 9 أكتوبر 2014 - 21:31 من طرف محمد بلمعمر

» الحل النهائي لاظهـــــــار الملفات المخفــــــــية بسبب الفيروسات على مفاتيح USB
الثلاثاء 7 أكتوبر 2014 - 9:44 من طرف ABC123

» كل عام وانتم بألف خير
الأحد 5 أكتوبر 2014 - 23:05 من طرف dadi2010

» برنامج USB GUARD
الجمعة 3 أكتوبر 2014 - 15:05 من طرف دين نعيمي

» برنامج CDRoller 8.50.70 برنامج استعادة الملفات المعطوبة من سيديهات التالفة
الخميس 2 أكتوبر 2014 - 18:23 من طرف medibasm

» ::خدعة جميلة على محرك البحث google أدخلوا و جربوها ::
الخميس 2 أكتوبر 2014 - 18:21 من طرف medibasm

الإبحار
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
لا تنسوا أن تتصفحوا أيضا بعض أقسام المنتدى:
  • بوابة الخواطر الأدبية للكاتب ش ق بن علية
  • ركن تراثـــيات

  • ســـي بلمعمر
    تصويت
    هل ترحبون بفكرة تصنيف الأبيض سيدي الشيخ ضمن التراث الوطني.
    بكل فخر
    94%
     94% [ 94 ]
    تحتاج إلى التفكير أكثر
    4%
     4% [ 4 ]
    فكرة غير مجدية
    2%
     2% [ 2 ]
    مجموع عدد الأصوات : 100
    أنت الزائر رقم .
    real time tracking
    سحابة الكلمات الدلالية
    الياقوتة الحاج القادر تهنئة قصائد سليمان الرسمية الحكم قانون شجرة احمد 2012 الشيخ محمد 2011 كتاب قصيدة سيدي أولاد اولاد العدد بوعمامة الجريدة عائلة الطريقة الجزائرية
    تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
    قم بحفض و مشاطرة الرابط سيدي الشيخ على موقع حفض الصفحات
    بحـث
     
     

    نتائج البحث
     
    Rechercher بحث متقدم
    المتواجدون الآن ؟
    ككل هناك 12 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 12 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

    لا أحد

    أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 634 بتاريخ الثلاثاء 4 سبتمبر 2012 - 20:39
    http://sidicheikh.sosblog.fr

    أهلا وسهلا ومرحبا بكم في رحاب سيدي الشيخ



    الزوار
    شاطر | 
     

     الطرق الصوفيـــَّـــــــــة

    استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
    انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
    كاتب الموضوعرسالة
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: الطرق الصوفيـــَّـــــــــة   السبت 22 نوفمبر 2008 - 22:40

    تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

    في إطار الملتقى 11 حول التصوف الإسلامي والتحديات المعاصرة ، الذي تم تنظيمه أيام 09-11 نوفمبر 2008 بجامعة أدرار ، نستعرض المحور الرابع بعنوان : الطرق الصوفية ، المتضمن سلسلة من المحاضرات التي ألقيت هناك..
    1- الشيخية والقادرية بين الجنوب الغربي الجزائري وشرقي المغرب
    2- دورالطريقة العمامية أوالإيمانية في مقاومة الشيخ بوعمامة
    3- الصلات الروحية بين الطرق الصوفية في المغرب العربي ( الجزائر وتونس أنموذجا )
    4- التـصـوف مـفـاهيم ومـصطـلحات مثال: تجربة التصوف في السودان
    5- العلاقة بين الصُّوفِيِّ والسِّيَاسِيِّ(السلطان) في المغربي الإسلامي
    6- الطرق الصوفية بإقليم توات وغرب إفريقيا خلال القرنين 18 -19
    7- واقـع الطـرق الصوفية بإقليم تـوات – بين المرجعية المعرفية والممارسة العملية –
    8- دور الصوفية في الدعوة الشيخ عبد القادر الجيلاني أنموذجا
    9- الطرق الصوفية في الجزائر أمام جدلية فاعلية حضورها الاجتماعي والسياسي:الموقف من الاحتلال الفرنسي نموذجا.
    10- الطريقة الزيانية وتطورها التاريخي
    11- نشأة الطرق الصوفية بالجزائر دراسة تاريخية
    12- ظاهرة الطرق الصوفية بالجزائر "الطريقة التجانية نموذجا ً"


    عدل سابقا من قبل chikh في السبت 29 نوفمبر 2008 - 0:29 عدل 1 مرات
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com

    كاتب الموضوعرسالة
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 5) العلاقة بين الصُّوفِيِّ والسِّيَاسِيِّ(السلطان) في المغربي الإسلامي   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 22:56

    ال
    علاقة بين الصُّوفِيِّ والسِّيَاسِيِّ(السلطان)
    في المغربي الإسلامي
    أ. عبد العزيز بومهرة
    جامعة قالمة

    الملخص:
    تستهدف هذه الدراسة بيان الأثر المتبادل بين السياسي والصوفي في المغرب الإسلامي. وهكذا فإن العلاقة بينهما كانت دائما مثارا للجدل والنقاش.
    وكان السلطان في غالب الأحيان منزعجا من المتصوفة لأنهم أكثر الناس تواصلا مع المجتمع، يقدِّمون له النصائح، ويعظونه وينيرون له السبيل. والسلطان يخشى ثورة العامة عليه.
    ولذلك كان ردّ فعل المعز بن باديس على ظاهرة محمد بن عبد الصمد وتأليفه الناس وتجميعهم من حوله عنيفا ساخطا. وشبيه بذلك ما فعله المنصور الموحِّدي حين استدعى أبا مدين شعيب من بجاية لينظر في أمره، بعدما وصلته أخبار عن تعاظم شعبيته وكثرة أتباعه ومناصريه.
    حين قَوِيَ تيار التصوف في القرن الثامن للهجرة انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، وانعكست الأمور، فأصبح الصوفي هو المهاجم الرافض لسلوك السلطان مع العامة، وسوء تسييره لشؤونها. وقد رأينا ذلك مع مع ابن عاشر وأبي عنان المريني، وابن عبَّاد الرندي وأبي فارس عبد العزيز.

    التّصوّف والسّلطان:
    ظلّت العلاقة بين السّلطان والأديب تتأرجح بين مدّ وجزر، وكلّما أوغل العالم في تعبده، وابتعد عن الحياة الدّنيا زهد في التّقرّب من السّلطان وازداد إعراضا عنه، بله السّعي إليه، إلاّ أنّ هناك أدباء وعلماء تهالكوا على البلاط فاحترقوا بناره( ).
    ذلك أنّ السّعي الحثيث لكلا الطّرفين كان دائما هو الوصول إلى قلوب العامّة وجعلها تلتفّ حوله، تناصره وتذبُّ عنه وتؤيّده.
    وكان الصّوفيّ، دائما، أقربَ إلى الحصول على هذه الحالة. وكانت منافسة السّلطان له أشبه بالموقف بين الزّوجة الأولى وضرّتها فهي لا تقبل أبدا بمشاركة امرأة أخرى لها في قلب الزّوج. رأينا ذلك في مواقف كثيرة، نقف عند نموذجين منها، الأوّل جرت وقائعه في القيروان بين المعزّ بن باديس( ) وأبي الحسن محمّد بن عبد الصّمد( ). والأخر بين المنصور الموحّديّ( )حفيد عبد المؤمن بن عليّ الّذي كان مقيما في عاصمته بمرّاكش وأبي مدين شعيب( ) الصّوفيّ الأندلسيّ الشّهير الّذي كان مقيما ببجاية. لجأ السّلطان فيها إلى استعمال نفوذه وقوّته ضدّ الصّوفيّ الزّاهد المتعبّد لسبب وحيد هو التفاف العامّة حوله، وكثرة مريديه. وخشية السّلطان على ملكه من هذه الشّعبيّة المتزايدة للمتصوّف حقيقة ناصعة، وهي ما فرض عليه قصَّ جناح هذا الصُّوفي الزّاهد وذاك، وزحزحته عن عرينه، وإخراجه من بين المناصرين الكثيرين، والمريدين الأوفياء.
    الأوّل اضطرّ إلى الخروج من القيروان بقصد الحجّ، والآخر اُسْتُدْعِيَ على عجل إلى مرّاكش للنّظر في أمره.
    بين المعزّ وأبي الحسن محمّد بن عبد الصّمد:
    وفد محمّد بن عبد الصّمد من المغرب الأقصى إلى القيروان وكان "رجلا صالحا فاضلا واعظا زاهدا صوفيّا"( ). اتّخذ له مجلسا بالجامع الأعظم بالمدينة يجتمع فيه إلى النّاس، يعظهم ويدعوهم إلى الطّاعة والتّقوى " له لسان فصيح وقلب قريح كثير الحزن والبكاء والخوف. من أولياء الله عزّ وجلّ المنقطعين إليه الخائفين المتبتّلين القائمين الصّائمين"( ) وكانت له طريقة في الزّهد والوعظ لم يعهدها النّاس من قبل، فكثر المستمعون إليه والمجتمعون من حوله، والسّالكون نهجه ومريدوه. وذاع صيته وطبّقت شهرته الآفاق، فسمع به المعزّ
    وخافه على ملكه، فحذّره، وأسمعه كلاما ينمّ عن عدم رضاه بما يفعل، فلمّا لم يفهم قصده طلب منه أن يعيره بعض كتبه. بقيت الكتب مدّة عند المعزّ ثمّ أرجعها. وعندما تصفّحها الصّوفيّ وجد ورقة داخل أحدها مكتوب عليها بخطّ المعزّ " زعمت ملوك الفرس وحكماء السِّيَر والسّياسة أنّ أهل التّنمّس والوعظ وتأليف العامّة وإقامة المجالس أضرّ الأصناف على الملوك، وأقبحهم أثرا في الدّول، فيجب أن يُتَدارك أمرهم ويُبادر إلى حسم الأذى منهم"( ). فهم الصّوفيّ ابن عبد الصّمد أنّ السّلطان منزعج من إقامته بالقيروان، وأنّه يأمره بالخروج منها. فاستأذن مغادرا إلى الحجّ سنة 441. أوكل به السّلطان بعض حرسه لمرافقته إلى قابس، وأصدر الأمر إلى وَالِيهِ هناك بالحذر منه وحراسته، ومنع الاجتماع به، وفرضت عليه الإقامة الجبريّة بالمكان الّذي نزل به.
    انتظر بالمدينة مرور قافلة الحجّ.
    خاف النّاس شرّ السّلطان فامتنعوا عن لقائه والاجتماع به ومن كان يمتدحه صار يذمّه.
    وحين خرج الصّوفيّ من المدينة لَقِيَهُ أعرابيّ فقتله، وكثر التّظنّي من النّاس على السّلطان أنّه هو الّذي دسّ له الأعرابيّ، واتّهموه بقتله.
    وصل الخبر إلى والده الصّوفيّ الواعظ هو الآخر بجامع عمرو بن العاص بمصر. فتنعَّل
    وخرج ملبّيا للحجّ في حينه من دون العودة إلى بيته. فلحقه خلق عظيم " وكان يطوف بالبيت ويتعلّق بستار الكعبة ويصيح ويقول: يا ربّ المعزّ عليك به! يا ربّ عليك بابن باديس"( ).
    وفي تلك الأثناء كان المعزّ يعاني الأمرّين من هجمات الهلاليّين الّذين شدّدوا عليه الخناق وهزموه شرّ هزيمة، فلم يشكّ أحد بأنّ دعوات والد الصّوفيّ الشّهيد قد استجيبت.
    بين المنصور وأبي مدين شعيب:
    وهو أمر أشبه ما يكون بما وقع بين المنصور وأبي مدين الغوث،بعد ذلك بما يقارب القرن،فقد تناهى إلى مسامع المنصور أنّ عالما واعظا صوفيّا كبيرا قد اجتمع إليه النّاس، وكثر أتباعه ومريدوه في مدينة بجاية. يَفِدُ عليه النّاس من كلّ صوْب وحدب.وأصبح أشبه بالمهديّ عند الموحّدين.وهذه هي الصّورة الّتي رسمها علماء الظّاهر لأبي مدين عند المنصور، وخافه ورغب في لقائه واختباره، فأرسل إلى صاحب بجاية أن يحمله على خير وجه، ويرسله إليه، فلمّا علم أصحابه شقّ عليهم فراقه، وخافوا بطش السّلطان به."فسكّنهم وقال:إنّ منيّتي قربت،وبغير هذا المكان قدّرت ولا بدّ منه.وقد كبرت وضعفت لا أقدر على الحركة، فبعث الله لي من يحملني إليه برفق، وأنا لا أرى السّلطان ولا يراني، فطابت نفوسهم."( ).وعندما اقترب من تلمسان وبدا العبّاد قال لأصحابه ما أصلحه للرّقاد، ومرض مرض الموت ودفن به سنة 594هـ. وكان مشهد جنازته عظيما خرج أهل تلمسان عن بكرة أبيهم يسيرون وراءه.
    توفّي السّلطان بعده بأقلّ من سنة، وكأنّه عوقب بما ألحق من أذى لهذا العالم العابد.
    هذه مواقف متشنّجة بين الصوفيّ والسّلطان كان الأخير متحاملا فيها على الأوّل، ومستبدّا به. وهناك مواقف أخرى عرفها المغرب المرينيّ في القرن الثّامن للهجرة سجّلت وقفة تحدّ للسّلطان وإذلال له أحيانا. وسنعرض لحادثتين وقعتا بين السّلطان، وفقيهين متصوّفين، الأولى جرت بين المتصوّف الكبير أبي العبّاس أحمد بن عاشر (765)هـ( )، والسّلطان أبي عنّان المرينيّ(759)هـ( )، والثّانية جرت بين ابن عبّاد( ) وهو أحد تلاميذ العالم الأوّل، والسّلطان عبد العزيز المرينيّ( ) (774) هـ. والملاحظ أنّ هذا الصّدام جرى في المغرب المرينيّ من دون سائر أقطار المغرب الإسلاميّ الأخرى( )، ولذلك دلالات كثيرة ومتداخلة أيضا، فهذا البيت –المرينيّ- عُرف بتشجيعه للعلماء وتقديمه لهم ممّا جعلهم يقبلون على الإقامة في كنفه على الرّغم من أنّ التّاريخ قد سجّل لنا أخبار العلماء الّذين ذاقوا الأمرّين على يده، منهم عبد المهيمن الحضرميّ، وابن خلدون، وابن مرزوق وابن الخطيب، والشّريف الحسنيّ التّلمسانيّ والمقّري، وغيرهم كثيرون.
    ولكنّه لا يلبث أن يعود إلى احتضانهم ورعايتهم.
    ولا شكّ في أنّ ذلك مردّه إلى أنّ هذا القطر كان صاحب الحظّ الأوفر في القوة العسكريّة والجبروت. فقد نال منه جيرانُه، شمالا وشرقا، حظّهم من طُغيانه وتَجبُّره.
    (1) بين ابن عاشر وأبي عنّان:
    تبادل أبو العبّاس أحمد بن عاشر، والسّلطان أبو عِنان الرّسائل، حين بعث هذا الأخير ابنه مستعطفا بعدما تعذّر عليه هو ملاقاة هذا الوليّ الصاّلح فكتب إليه ابن عاشر رسالة بليغة دعاه فيها إلى التّوبة والعمل الصّالح والاعتبار بسير الخلفاء الرّاشدين وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من الصّالحين، والتّفكير فيما وعد الله به عباده الصّالحين وما توعّد به عباده الظّالمين. لا يني – من خلال ذلك – عن الغمز من قناته يقول: "...و ليكن أمير المؤمنين مشفقا على نفسه، وليعمل في يومه لما فرّط في أمسه، ومن كان يومه شرّا من أمسه فيا حسرته، ويا وحشته، ويا فجعته، وأعظم المصائب إعراضه عن ربّه عزّ وجلّ....كان عمر بن عبد العزيز يقرأ قوله تعالى: " أفرأيت أنّ متّعناهم سنين ثمّ جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يُمتّعون.."( ). هذا النّصّ الّذي يسوقه ابن عاشر في مجال التّذكير
    والوعظ يراوح بين مستويين من الخطاب، في البداية يباشر النّصيحة، ويبيّن الضّرورة في تصرّفات السّلطان، وفي النهاية يسوق له أعمال الصّالحين من الملوك السّابقين، ويتخيّر عمر بن عبد العزيز نموذجا للسّلطان العادل، وهو يعتبر بآيات من القرآن الكريم الّتي تؤكّد زوال المتعة مهما طالت، إذ لا مندوحة عن لقاء الله والخضوع للحساب. هذان المستويان من الخطاب، والنّصيحة المباشرة الّتي أدارها المتصوّف بضمير الغائب، ثمّ قصّة عمر بن عبد العزيز على سبيل الاتّعاظ والاعتبار، لا شكّ في أنّهما سيصيبان السّلطان المرينيّ بالأرق؛ فقد أصبح يعيش حالة من الانكشاف تجلّت في إحساسه بالحيرة والقلق. إلاّ أنّ هذا المتصوّف الكبير لا يكتفي بهذه الصّورة النّاصعة الّتي يقدّمها عمر بن عبد العزيز للسّلطان الخاشع الّذي يخشى لقاء ربّه، وإنّما يعقبها بنماذج كثيرة من تصرّفات الخلفاء والسّلاطين
    والأئمّة، وهي تُجمع على زوال الأجساد، وبقاء الأعمال الصّالحات، وفي أثناء ذلك الحشد من الصّور، يفجأ السّلطانَ بتساؤل عن مصير آبائه وأجداده " ولك العبرة في آبائك وأجدادك، فقد صاروا إلى الله عزّ وجل، ولا تدري ما قال لهم، ولا ما قالوا له..."( ). هذه الأمثلة الّتي يوردها ابن عاشر، جميعها تستهدف إنارة بصيرة السّلطان الّذي استهلّ مدّة ولايته بجريمة كبيرة تمثّلت في حربه لوالده وافتكاك العرش منه. ولكنّه لم يستغن بها. ويتوجّه إلى ربّه تائبا، أو يشمّر عن ساعديه وينطلق خفيفا إلى ميدان الجهاد منجدا إخوة له في الدّين يُقتلون. بل ازداد غيّا يلوّث يديه بقتل المسلمين شرقا وغربا.
    ومن هنا كان إعراض هذا المتصوّف الزّاهد عن لقائه، وحين سعى السّلطان لملاقاته في المسجد حجبه الله عنه وهو أمامه( )، بل إنّه اشترط عليه الشّروط ليدعو له يقول:"...وإن رجع أمير المؤمنين، وأشفق على نفسه ورعيّته، رجوت أن يقبله الله تعالى، وأن يمنّ عليه بفضله..."( ) انظر إلى هذه الكلمات القليلة وتمعّن فيما تحمله من دلالات لا حدود لها من الثّقة بالنفس والإيمان بالله، ولنتأمّل الجملة الأولى: وإن رجع أمير المؤمنين، إذا فالسّلطان غير مشمول برحمة الله، إذ هو خارج عنه، ذاهب بكلّه عن الله، ولذلك عليه أوّلا أن يرجع إلى ربّه، ويعلن التّوبة، ويطلب الغفران، وذلك ليس من أجل غيره وإنّما شفقة على نفسه أوّلا، ثمّ رعيّته، فحين يأتي السّلطان المعصية، ولا يخشى ربّه، فإنّ رعيّته هم الّذين سيتلقّون أولى ضرباته، كما أنّهم يتحملون وِزره في المعصية، حتّى يثوروا عليه، ويلزموه الحدود أو ينزلوها به. وعندما يعلن السّلطان توبته، ويبدو ذلك في أفعاله وتصرّفاته، عندها يرجو ابن عاشر ربّه كي يقبل توبته، ويدعو من أجل أن يمنّ الله عليه بالفضل.
    ثمّ، ألا تقدّم لنا هذه الكلمات الّتي بعثها ابن عاشر إلى السّلطان صورة العالم المتصوّف الزّاهد، الّذي يتمتّع بثقة عالية بالنّفس، وينعدم لديه أيّ شعور بالاحترام أو الخشية نحو السّلطان؟
    لقد امّحت – فجأة – من فنّ الرّسالة كلّ عبارات النّفاق والمجاملة، وزالت تقاليد تقديم فروض الطّاعة، والدّعاء الطّويل للسّلطان بطول البقاء، ونيل الرّحمة، ثمّ بيان المجد المتوارث أبا عن جدّ، وقد يرى الكاتب، أحيانا، ضرورة إضفاء نسب شريف عليه طلبا لرضاه. كلّ هذه الأمور طارت في الهواء، ونحن نقرأ الرّسالة الطّويلة( ) الّتي أرسلها ابن عاشر إلى أبي عنّان، بعدما بعث إليه ابنه مستعطفا، وكان قد ردّه حين طلب –هو- لقاءه كما مرّ معنا منذ قليل.
    وإنّ من أكثر الأمور دلالة، على الطّريقة الجديدة في التّعامل مع السّلطان، هي غياب ضمير الجمع، إذ استعاض عنه الكاتب بضمير المخاطب المفرد مثل "...رجع، وأشفق، وليكن، وليعمل..." ولعلّنا نستشفّ من هذه الأفعال معاني لم يكن السّلطان ليقبل بها من أيّ شخص آخر، إنّها تهوى بمهابة السّلطان إلى الحضيض، فتتعامل معه باعتباره شخصا مخطئا، عاصيا، يجب ردّه إلى رحاب الدّين.
    وحين يجيب( ) أبو عنّان نلاحظ أنّه يجاري هذا العالم ويتوسّل إليه منذ البداية، بأسلوب لم نعهده في الرّسائل السّلطانيّة، فقد قبل التّخلّي عن ضمير الجمع، وأسبغه على المتصوّف ابن عاشر، واكتفى بضمير المخاطب المفرد "...فإنّه وصلني كتابكم..." ولكنّنا لا نرى مقابل ذلك أيّ تنازل من هذا العالم الكبير بل إنّ محاولات السّلطان تنقطع عن طلب اللّقاء به ممّا يؤكّد يأسه من ذلك. ولم تفلح التّأكيدات الّتي حفلت بها رسالته عن اتّعاظه بما قال له، وقبول نصحه ونهيه، وتبيان طريق الصّواب في أمور المسلمين، واعدا بالنّهوض إلى إنصاف المظلومين، متضرّعا إلى الله ناشدا المساعدة، والتّوفيق إلى تليين مواقف الشيخ الصوفي.
    ثمّ يعترف بندرة الرّجال الصّادقين، فيمن حولَه، ينهضون بالأعباء نيابة عنه، "...فلا رجل ولي عملا إلاّ ظلم وتجبّر، ولا مؤتمن يركن إليه إلاّ خان وفجر، ولا جليس يستعان بنهاه إلاّ آثر دنياه، واتّبع هواه..."( ) إنّه اعتراف خطير بندرة العامل المنقطع لعمله بصدق
    وإخلاص في بلاط السّلطان لأنّه يعلم أساسا أنّه أستاذه فيما يذهب إليه، وحتى الكتّاب والعلماء الّذين يتقرّبون منه، ويسعون إلى الحظوة في بلاطه إنّما يطلبون العون على صعوبة الحياة، ومشقّتها، وهم في سبيل ذلك يجاملونه وينافقونه، هكذا هي حال بلاط كلّ سلطان، لا يقرب منه سوى المنافق والمجامل لأنّه أصلا لا يطلب منهم غير ذلك، بل ويرفضهم إن أناروه،
    ويعنّفهم إن نصحوه، ولذلك فهو لا يجد لديهم الصّدق والاخلاص الضّروريين، إنه زمن رديء، أتى على المسلمين، وهم في حالة ضعف، فأضاعهم وأضاع بلادهم، وشرّدهم شذر مذر.
    (2) بين ابن عبّاد وأبي فارس عبد العزيز:
    وكتب الفقيه المتصوّف ابن عبّاد الرنديّ (792) هـ، إمام جامع القرويّين، وخطيبه( )، إلى أبي فارس عبد العزيز المرينيّ (774) هـ، منتقدا بعض أعماله المضرّة بالنّاس والمنافية للشّرع، ومستنكرا تصرّفات عمّاله مع المسلمين. فاستهلّ رسالته مذكّرا بما كان طالب به في كتبه السّابقة إلى السّلطان، عن ضرورة إزالة مظالم الرّتب( ) مؤكّدا أنّه شاهد مفاسد تشين السّلطان، وتكدّر صفو الأمن، ولكنّه مع ذلك يراها ما تزال قائمة تزيد من قهر المسلمين، وظلمهم، لذلك فهو يجدّد رغبته في إزالتها لما يعيثه جامعوها من فساد وشرور بالرّعية ذلك أنّهم "...حازوا منهم الأموال الحرام بالنّهب والغصب( )، استعانوا على ارتكاب الكبائر
    والفواحش حيث لا تنالهم أحكامكم، وهم أراذل النّاس وسفهاؤهم، لم يدينوا لله( ) بدين، ولا دخلوا في غمار المسلمين..."( ).
    ويبدو ابن عبّاد، وكأنّه يجهد نفسه كثيرا كي يفصل بين السّلطان وعمّاله الّذين يجمعون الضّرائب والمغارم فهو وإن تغافل عن ذكر السّلطان، فإنّه لا يوفّر على عمّاله أيّ صفة سيّئة. هؤلاء العمّال الظّالمون مرتكبو الكبائر الخارجون على الدّين لا يحسّون بمواجع عامّة المسلمين لأنّهم لم يتّصلوا بهم إلاّ للنّهب والاغتصاب، وهذه التصرفات وصمة عار تلحق السّلطان كذلك، فهم نوّابه الّذين يتصرّفون باسمه. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ السّلطان لم يتعرّض لانتقاد هذا العالم مباشرة، بل إنّنا نراه يحمّله المسؤوليّة الكاملة فيقول "...عليكم أن تتفقّدوا عمّالكم، وتعتقدوا ذلك من صالحات أعمالكم، وممّا يجب لرعيّتكم عليكم..."( ). فمسؤوليّة التّفقّد، والوصاية، تستوجب مسؤوليّة النّتائج، وهؤلاء العمّال في نظر ابن عبّاد قد اشتروا رضا أنفسهم بسخط الله حين قهروا النّاس، وأذلّوهم بمنكرات الجباية( )، مستأثرين بجلّ ما يجْبُون، ثمّ يوجّه تهديدا مبطّنا للسّلطان بقوله "...و أعظم المصائب سؤال الله لكم عن ذلك،
    ودعاء المظلومين عليكم، وقد ورد في الحديث: أنّ دعوة المظلوم مجابة، وإن كانت من كافر..." .
    هذه الكلمات الصّريحة المباشرة الخطاب، إدانة كبيرة للسّلطان، دينيّة، بسؤال الله له عمّا أجرم، ودنيويّة بنقمة عامّة النّاس عليه.
    ثمّ يعدّد شروطا حدّدها العلماء وصولا إلى العدالة، ولا بدّ أن يتحلّى بها عمّاله وولاته في المدن الشّاسعة منها: مسؤوليّة اختيار هؤلاء العمّال، وتفقّد تصرّفاتهم، ومحاسبتهم على ما ملكوا من مال، ليحظى بيت المال بحقّه، فيملأ ويعمّ الرّخاء، وتنتفي مظاهر الظّلم والمغارم. ودعاه للاقتداء بما كان يفعله الخلفاء الرّاشدون( ) أو على الأقلّ أن يكون مثل والده الّذي أشيع عنه إلغاء هذه الغرامة. والكاتب يميل إلى تصديق هذه الإشاعة لما اشتهر به والده من عدل، وقيام بالحقّ، وتعميم السّنن الحميدة، وإلغاء غيرها . لكنّه يستدرك بسرعة كي لا يحمل كلامه على عواهنه، فدعاه إلى استعراض سيرة والده "...مدّة خلافته على مقتضى الدّين والشّرع، فما رأيتم من ذلك موافقا فاقرّوه، واحمدوا الله على توفيقه له ولكم، وما رأيتموه مخالفا فأزيلوه، واستغفروا له ربّكم، واحمدوا الله على ما ألهمكم، ولا تحملوا حاله كلّه على الإصابة، والموافقة فتتبّعوه من غير نظر.."( ). هذه المحاولة الكبيرة، والشّاقّة للضّغط على السّلطان المرينيّ، حتّى يتوخّى السّلوك الدّينيّ الشرعيّ في تعامله مع رعيّته، يتوسّل إليها الكاتب بكلّ ما يمكن أن يوفّقه، فأخافه من غضب الله، ودعاء المظلومين عليه، ثمّ دعاه إلى تحمّل مسؤوليّته، وها هو يغريه بتتبّع خطوات الخلفاء الّراشدين، أو على الأقلّ والده السّلطان الشّهير أبا الحسن، لكن بتحفّظ كبير، وهو أن تكون تلك السّيرة سليمة شرعا. وحين يؤكد له أنّ أعمال والده ليست كلّها سليمة، يدعوه إلى فرزها، فيدع ما يخالف الشّرع والدّين، ويأخذ ما صحّ منها. وربّما كان هذا الاجتهاد في إظهار الضّرورات الدينيّة،
    وتعليمها للسّلطان هو ما أدّى إلى هذا الأسلوب المفكك واللّغة السّهلة البسيطة، والتّعابير الثّقيلة أحيانا، لكنّها بالتأكيد ليست نموذجا صحيحا لأسلوب ابن عبّاد الرّاقي المشرق، الّذي يطالعنا به في رسائله الكثيرة، بل وحتّى في بعض تآليفه( ) ولكنّه لا يكتفي بما قدّم من أمثلة، ونماذج لتحفيز السّلطان إلى اتّقاء ربّه في تصرّفاته، وتصرّفات عمّاله وولاته، بل إنّه يبعث الغيرة في نفسه، حين يذكِّره بإقدام أخيه أبي عِنان (759) هـ، على إلغاء هذه الضّريبة المجحفة بحقّ النّاس.
    إنّ هذه الوقفة الشّجاعة من ابن عبّاد تقدّم لنا صورة ناصعة لمتصّوفة هذا العهد، فقد بذلوا جهودا كبيرة من أجل إصلاح فساد السّلاطين، ومنذ قليل، رأينا كيف تعامل ابن عاشر، وهو أستاذ لابن عبّاد في التّصوّف، مع السّلطان لأبي عنّان.
    ومن هنا تبدو أهميّة الثّقافة الدّينيّة والاتّجاه الصوفيّ بخاصّة، إذ أنّ تهافت العامّة والخاصّة، على حدّ سواء، على تلقّي هذا اللّون من الثّقافة والخضوع الّذي يشبهه خضوع العبد إلى ربّه يعدّ سمة ذلك الاتّجاه.
    ولعلّ هذه الشّعبيّة الّتي يحظى بها هؤلاء المتصوّفة والأولياء هي الّتي زعزعت نفوس السّلاطين في بعض الأحيان، فقد شهر عن أبي الحسن المرينيّ وأبنائه من بعده خشية معلنة من هؤلاء العلماء المتصوِّفة.
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 6) الطرق الصوفية بإقليم توات وغرب إفريقيا خلال القرنين 18 -19   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:06

    الطرق الصوفية بإقليم توات وغرب إفريقيا
    خلال القرنين 18 -19
    د. حوتية محـمد
    جامعة أدرار

    الملخص:
    مقدمة:
    لقد مر التصوف بعدة مراحل ابتداء من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر , ويمكن أن نلخصها على النحو التالي:
    المرحلة الأولى: وقد بدأت هذه المرحلة باعتراف رجال الصوفية بوجود طريق محدد إلى الله سبحانه وتعالى , ويتطلب هذا الطريق الصلاة والدعاء , وذكر أسماء الله الحسنى. وتعد هذه المرحلة بمثابة العصر الذهبي, لأنها اقتصرت على الشيخ وتلامذته, الذين ينتقلون من مكان إلى آخر دون أن يؤسسوا نظاما معينا.
    المرحلة الثانية: وهي التي اتسع فيها نطاق التصوف نظرا لانتشار الإسلام شرقا وغربا وازداد نشاط الطرق الصوفية, وظهر عدد من العلماء البارزين أمثال الشيخ عبد القادر الجيلالي والشيخ أبو حامد الغزالي, وقد اتسمت هذه المرحلة بتطوير نظام التدريس في الطرق الصوفية, وظهور أنماط جديدة من الطرق الجماعية لإغراء الناس على قبول الطرق.
    المرحلة الثالثة: تـشهد هذه المرحلة توسعا في المجال الروحي لمشاهير الصوفية بتنظيماتها الحالية, وانتشار الطرق بشكل واسع, وتحويل الولاء لشيخ الطريقة, وقد ازداد عدد الطرق وازداد نشاط الطرق في القرن السادس عشر كرد فعل للاستعمار الأوروبي, ومحاولات تطويق المسلمين وطردهم من ديارهم والصراع الذي دار بين الطرفين على سواحل أفريقيا الشمالية وغربها.
    لقد أصبحت الصوفية تمثل نشوة دينية أتخذ منها المجاهدين في الدين الاسلامي وسيلة للتقرب إلى الله, واللجوء إليه لمواجهة الأخطار الاستعمارية التي أحاطت بديار الاسلام.
    تقوم الحياة الروحية بمنطقة توات والأزواد على حركة التصوف التي نشرتها الطـرق الصوفية
    هذا وأن التصوف عبارة من ذهب منظم يـشير إلى مراتب صوفية مختلفة ويـدل على الحقيقة في محاولة محاسبة النفس على الأفعال وفهم الآداب خاصة به, وقد مر التصوف الإسلامي
    بعدة مراحل حيث كان أوله زهـداً في الدنيا وانقـطاعاً لعبادة الله عز وجل ثم صار حركات ومظاهر خالية من الروح والعبادة ثم تحول إلى الحاد وخروج عن دين الله وقد عبر عن هذا التحول أحد كبار الصوفية حيث قال « كان للقوم إشارات ثم صارت حركات ثم لم يبق إلا حسرات»،و قد تشعبت الطرق الصوفية وأصبحت تنسب إلى أقطاب هذه الطرق وأهم الطرق الصوفية بإقليمي توات والأزواد الطريقة القادرية والموساوية والشيخية والتيجانية .
    أ) الطريقة القادرية:تنسب الطريقة القادرية إلى الشيخ محمد محي الدين عبد القادر بن أبي صالح المولود بمدينة جيلان في مارس 470هـ/1077م والذي جاء إلى بغداد عام 488هـ/1095م ودرس مذهب الإمام أحمد بن حنبل لكنه ترك الانضمام إلى المدرسة النظامية التي كان يشرف عليها الشيخ أحمد الغزالي،بعد وفاة أخيه أبي حامد الغزالي ويقال أنه لم يعتنق
    أي فكر صوفي حتى حضر إلى مدرسة أبي الخير حمد الدبـاسي المتوفي 526هـ/1131م وقضى عبد القادر الجيلاني خمسة وعشرين عاماً يتجول في الصحراء العراق وفي عام 521هـ/1127م عندما كان قد جاوز الخمسين عاماً صار من أشهر العلماء في بغداد على الطريقة الحنبلية وكان يلبس لباس العلماء ولبس لباس المتصوفة ثم بني مدرسة لنفسه عام 528هـ/1135م اشتهر بورعه وتقواه لكن لم ينضم أحد إلى طريقـته طوال حياته وبعد وفاته بدأ بعض الناس يسيرون على نهجـه واستطاع أبناؤه نشر مذهب والـدهم الذي يتسم بالولاء والإخـلاص والطاعة والتواضع وصارت أوراد الطريقة القادرية تلقى قبولاً لدى عدد من الإتباع وأخذ تلامذته على عاتقهم نشر مذهبه في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي حيث انتشر في القارة الإفريقية وعلى وجه خاص في شمالها فقد سيطرت الطريقة الصوفية القادرية في مراكش على الحياة الدينية والاجتماعية خلال القرون الموالية بعد دخولها . و أصبح الشيخ علي الكنتي قطباً للطريقة القادرية عندما انتقلت قبائل كنتة في القرن التاسع الهجري الخامس عشر ميلادي إلى واحات توات وحملوا معهم الطريقة القادرية وفي هذه الواحات انتشرت الطريقة القادرية في النصف الثاني في القرن الخامس عشر ميلادي وكان شيوخ الكنتة يزورون برنو يتبعون الطريقة القادرية .
    وفي عام 957هـ 1550م بدأت أفكار جديدة تؤثر على الطريقة القـادرية في وسط السودان وغربه، جاءت هذه الأفكار من الشرق عبر مصر وتركيا وظهر الشيخ الزروق الذي يعتبر من أهم رجال الطريقة في أغاديس ومن هذه المدينة انتقلت أفكار وآراء الشيخ الزروق إلى الشيخ المختار الكبير الذي ساعده بدوره على نقل تعاليم الصوفية القادرية إلى جماعة القولاني في بلاد الهوسا ، وانتقلت الطريقة بعد ذلك إلى منطقة النيجر حيث ساعد الفقيه محمد الأنصاري على نشرها وفي أوائل القرن 12 هـ الثامن عشر ميلادي أسس شيوخ الكنتة مدينة مبروك التي صارت مركزاً لنشر الطريقة القادرية وظهر بين جماعة الكنتة عددكبير من الفقهاء الذين صارت لهم الزعامة الدينية في القرن 13هـ 18م وتوسعوا خارج الحدود القبلية وظهر عدة شيوخ حملوا لواء الطريقة القادرية تعليماً وتأليفاً وممارسة .
    فقد ظهر من أهل المنطقة مشائخ اتصفوا بالكمال من الناحية الدينية والروحية فحازوا على مراتب بين قبائلهم وأوكلت لهم مهمة الإشـراف على الطريقة القادرية فـنسقوا بين المريديـن وأحيوا المناسبات وأدخلوا الطريقة القادرية العديد من الأقـطار فقد استطاعوا عن طريق تكوين( مقدمين) مهمتهم نشر الطريقة حسبما جرت به العادة إذ يكلف المقدم وخليفته بالعمل مباشرة بعد ما يتسلم سجادة أو سبحة أو عكاز الشيخ الذي يأخذ عنه الورد و لقد انقسم الشيوخ المرتبطون بالطريقة القادرية إلى قسمين القسم الأول ويمثله ممن كان يحظى بسمعة كبيرة لدى العامة تنسب لهم كرامات وأقوال كانت محل تصديق الجميع وقد جمع أصحاب هذا الصنف بين التصوف والتأليف والتعليم والفتوى ولهذا نجدهم تركوا أعمالا جليلة في الدعوة للطريقة القادرية بالمناطق التي عاشوا بها والمحاذية لهم مثل الشيخ مختار الكبير الذي عرف بعلمه وتأليفه العديدة في علوم الشريعة وتعمقه في الطريقة فقد ألف فيها كتاب اسماه الكوكب الوقاد ونظرا لأهميتـه في الطريقة قال فيه ( يجب أن يـسمى أسماء كثيرة وكثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى ) تناول في بداية مخطوطه أسس الطريقة القادرية ومؤسسها فذكر كرامات ومزايا ورده
    بالإضافة إلى فضل الأذكار وأهميتها في الحياة الدنيا والآخرة وهذا وقد ترك الشيخ المختار الكبير العـديد من التصانيف في الأذكار أبرز من خلالها منـاهج التربية الصوفية السليمة كما يراها هو « تلك المبنية على عنصر المحبة ويقسمها إلى قسمين رئيسيين: المحبة المفروضة وتتمثل في امتثال الأوامر وعدم ارتكاب المعاصي وأي تقصير في الواجبات معناه الوقوع في المحرمات والتقصير في العبادات وعلى كل مبتـدئ أن يوازن ما بين النـاحيتين حتى يستطع أن يدرك المحـبة المفروضة والقسم الثاني المحبة المندوبة التي يصلها كل من حقق القسم الأول (المحبة المفروضة) وأعطاها جـميع حقوقها عندها يدخل المريد في المرحلة الثانية من المحبة المرتكـزة على القيام بالوجبات ثم النوافل والابتعاد عن المحرمات مع عدم الوقوع في الشبهات» و يعتبر الكنتون أكثر شيوخ المنطقة إسهاماً في علم التصوف بصفة عامة وبالطريقة القادرية بصفة خاصة تجلى ذلك في رسائل وقصائد وكتب فللشيخ المختار الكبير قصيدة في السلسلة القادرية ونازلة في التصوف وإجازة في الأوراد والأحزاب وإجازة في الورد ورسالة إلى احد مريديه، ومثله الشيخ محمد بن الشيخ المختار الكبير الذي ترك إجازة في الأوراد والأحزاب القادرية ومخـطوطاً في الأدعية والأذكار وقـصيدة الإبتهال وجواباً على ثلاث مسائل في الورد القادري وقـصيدة في الأدعية والتوسل وبهذا فقد تفاوتت هذه المصنفات في محتوياتها وعدد صفحاتها إلا أن القاسم المشترك بينها إضافة تراث وإثراء هذه الطريقة العريقة المنتشرة في إقليم توات والأزواد .
    والقسم الثاني من شيوخ الطريقة يندرج تحته صلحاء من الشيوخ الذين اشتهروا بالزهد في الحياة وكثرة الأذكار وخدمة العامة واشتهروا بالكرامات ومواقف خالدات وأكتفوا بالعبادة والأوراد ولم يتركوا مؤلفات في ميدان الأدب أو الفقه وإنما خلدت أسماؤهم في الذاكرة الشعبية بتوات والأزواد نظراً لما اشتهروا به من أعمال خيرية خدموا بها للصالح العام وأفنوا حياتهم في الزهـد وضحوا بأموالهم وأعمارهم في سبيل الإصلاح كإصلاح ذات البيـن وإعانة الفـقراء
    والمحتاجين في الزوايا التي أسسوها وساهموا في تسييرها لتؤدي دورها الخيري لكل المسلمين وأبناء السبيل وبعد وفاتهم خلدت قبورهم بأضرحة وزيارات سنوية يتوافد الناس القاصي والداني من أبناء منطقة الأزواد وتوات وهكذا نجد أضرحة هؤلاء الشيوخ وزياراتهم معروفة ومشتهرة من أكبرها زيارة الشيخ عبد القادر الجيلاني .
    ومن أضرحة شيوخ هذه الطـريقة نجد ضريح الشيخ المختار بن محمد بن عمر بـلوافي بقرية (الجديد) ونجد في زاوية كنتة ضريح أحمد بن محمد الرقـاد ونجد في أقبلي ضريح الشيخ أمحمد بونعامة وغيرهم كثير بين توات والأزواد .
    ومن أهم مظاهر وأنشطة الطريقة القادرية الـورد القادري ويتكون أساسا من عدد معين من الركعات يقرأ في أولها فاتحة الكتاب مع سورة معينة وبعد التسليم من الصلاة يقرأ آيات محددة من القرآن ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوا دعاء عاماً يخص في نهايته مؤسس الطريقة القادرية عبد القادر الجيلاني وعندها ينتهي الورد وأما كيفية أدائه فإنهم يقرؤون في الركعة الأولى سورة الكـوثر ستاُ وفي الثانية سورة الكافرون ستاً وفي الثالثة سورة الإخلاص ستاً وفي الرابعة سورتي المعوذتين مرة وفي الخامسة (آية الكرسي) مرة وفي السادسة (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ) مرة ويذكرون في المسجد قوله تعالى ﴿ رب اشرح لي صـدري ويسر لي أمري﴾ ثم يقول (اللهم إني أستودعك ديـني وإيماني فاحفظهما علي في حياتي وعند وفـاتي وبعد مماتي كما سجل اتباع الطـريقة القادرية ما حث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس في صلاة التـسبيح أخبره أن مـصليها يغفر له ذنبه صغيره وكبيره أوله وآخره وهي أن يصلي أربع ركعات في كل ركعـة يقرآ الفـاتحة وسـورة ويقول بعد قراءة السـورة سبحان الله والحمد لله ولا إلا الله والله أكبر خمسة عشـرة مرة وفي الركوع والرفـع منه وبين السجدتـين في كل ركعة عشرة ومن نسي بعض ذلك جاء به في الركـن الذي بعده وإن شاء سلم من الركعتين هي الإصلاح بين الناس،وشمل سـعيه في الإصلاح،الإصلاح بين القـبائل والقصور المتنازعة، والتي كان ينتهي بها الأمر إلى القتال وإفساد الممتلكات وقطع المياه عن الخصم .قال تلميذه أحمد بن عبد الرحمان بن بودة في ذلك:
    ومن لي بإصـلاح قبائل فتنة * إذا أضرمت نار لقـتل السفاهة
    ومن يأمر الأعراب ثم الأعاجم * بإصلاح ذات البين عن شأن فتنة
    ومن كـلامه رضي الله عنه مع شيوخ بني جـابر في شأن موضوع قـطع الماء عن الخصم
    (أنتم جميع من آذاكم أو عمل سوءا قل أو جل تبادرنا إلى مائه تقطعون وتردونه،فهلا تقابلونه بالصبر والعفو، أخاف على مائكم الذي جعلتموه سندا يذهب من ها هنا أو من ها هنا،وأشار بيده المباركة شرقا وغربا ) قال،فكان الأمر كما قال .
    ومن وجوه سعيه في الإصلاح،إنـتقاله للجهات والقصور المختلفة لرد ما غصب من الأموال
    والمنقولات، والحض على صيانة أموال اليـتامى والقصر، ونصح المعتدي عليها ورد الديون والرهون التي لم يتمكن مستحقيها من إستيفائها لوقوعها في أيدي المتنفيذين وبالجملة كان سعيه رحمه الله في الإصلاح وجبر الضرر وإعانة الضعيف شاملا،واستعمل في ذلك ما فتح الله به عليه من الجاه والحرمة،وما رزقه من مال.ولم يدخر وسعا في إيصال النفع إلى العامة،
    وبذل طاقته في الإصلاح والتوفيق والقضاء على أسباب النزاع،جزاه الله عن المسلمين خيرا ووفر ثوابه في العقبى بمنه ورحمته وكأنه المعنى بقول عبدة بن الطيب:
    وما كان قـيس هلك واحد * ولكنه بناء قوم تـهدما
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع........... الطرق الصوفية بإقليم توات وغرب إفريقيا خلال القرنين 18 -19   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:09

    الطريقة التيجانية:
    احتلت الطريقة التيجانية المكانة المرموقـة في الوسط التواتي والأزاوادي وهذا ما يتوجب التعريف بها لكونها من الطرق الصوفية المنتشـرة في القارة الإفريقية خاصة في الجزء الغربي منها وتنتسب إلى الشيخ أبي العباس بن أحمد بن محمد بن مختار التيجاني الذي ولد في قرية عين ماضي بالاغواط بجنوب الجزائر عام 1150هـ/1737 .
    وفي عام 1171هـ /1757م سافر التيجاني إلى فاس للبحث عن شيوخ الصوفية في هذا المركز الديـني،و هناك درس الطرق الصوفية،ثم ذهب إل قرية الأبيض على مشارف الصحراء، حيث استقر في زاوية سيدي عبد القادر بن محمد،و مكث بها خمس سنوات استغل بعضاً منها في التدريس.
    وفي عام 1186هـ/1773م بدأ الشيخ التيجاني رحلته إلى الحج التي واصل فيها متابعته للطرق الصوفية حيث توقـف،ودرس بقرية أيت اسماعيل في بلاد القبائل زار فيها الشيخ أبي
    عبد الله محمد بن عبد الرحمان الازهري وأخذ عنه الطريقة الرحمانية الخلواتية ثم قضى عاماً في تونس حيث درس كتاب ابن عطاء الله السكندري ( كتاب الحكم )، وحقق نجاحاً في تدريسه لدرجة أن القائم على حكم تونس ( 1171هـ - 1757م 1197هـ - 1782م ) طلب منه البقاء في تونس للتدريس في مسجد الزيتونة وأغراه بالمال والمسكن الفاخر لكن الشيخ التيجاني رفض وقرر مواصلة رحلة الحج ...ووصل إلى القاهرة وبدأ البحث عن شيخ الطريقة الخلواتية، وألتقى به، وتعلم منه الكثير من مبادئ الطريقة،و أخيراً وصل إلى مكة في يناير 1188هـ/1774م واتصل هناك بشيخ هندي يدعى أحمد بن عبد الله بواسطة خادمه وبعد شهرين من هذا البقاء مات الشيخ وورث التيجاني عنه تعاليم الطريقة الصوفية وفي طريق العودة إلى بلاده توقف الشيخ التيجاني في القاهرة حيث فوضه الشيخ محمد الخيضري في نشر تعاليم الخلواتية في شمال إفريقيا واتجه أحمد التيجاني إلى فاس بدلاً من مدينة عين ماضي، وفي عام 1191هـ 1777م اتجه إلى تلمسان بالجزائر مرة أخرى بسبب عودة الحاكم العثماني بالأغواط ثم انتقل إلى جبال قصور بقرية بوسمغون جنوب غرب البيض سنة 1196هـ-1781م حيث استقـر بها مدة ثلاث سنوات زار خلالها إقليم عين ماضي.
    وبوجوده في بوسمغون كثر مريدوه قصدته الوفود من جميع أنحاء الصحراء حيث واصل نشر تعاليم الطريقة الصوفية حتى وافته المنية عام 1231هـ/1815م .
    لقد ظهرت مبادئ الطريقة التيجانية من خلال مؤلفات بعض الأتباع وعلى رأسهم بن العربي في كتاب جواهر المعاني وبلوغ الآماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني وانتشرت الطريقة التيجانية في غرب إفريقيا بفضل جهود الحاج عمر الفوتي التكروري (1210هـ-1795م/1281هـ -1864م) والذي تلقى وردها على أيدي الشـيخ عبد الكريم بن أحمد النفيـل الفوتا جـالوني وقد وضع الحاج عمر أسس هذه الطريـقة في كتـابة الرماح (رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم) الذي يتكون من خمسة وخمسين فصلاً إلى جانب المقدمة والخاتمة ويتناول الكتاب عدة أمور مثل التشجيع على سلوك الطريقة التيجانية والحديث عن معنى الزهد عند الصـوفية ويعتبر التيجانيون هذا الكـتاب المرجع الأساسي للطريقة التجانية .
    الأوراد:تقوم الطريقة التجانية على أوراد محددة تشمل الوظيفة والورد المعلوم .
    ورد في المصادر التجانية،أن الشيخ التجاني لم يدرك مرتبة القبطانية إلا في شهر محرم من عام 1215هـ/1800م أي بعد سنة من هجرته واستقراره في فاس،و بعد شهر من ذلك،ارتقى إلى المقام الأحمدي المسمى بمقام الختم والكتم
    وقد تحدث الشيخ التجاني عن المقام القطب ووصفه بقوله " إنه أفضل جماعة المسلمين في عصره " ثم ذكر الختم فقال " إن أكمل العارفين وهو القطب الكامل لا تتجلى له حقيقة الكبرياء إلا بعد بلوغه المرتبة العليا حيث مراحل نشر الطريقة التجانية حتى واحته السنة عام 1231هـ -1815م بمدينة فاس بمعنى أن مرتبة القبطانية وإن أدركها بعض ممن سبقوه من الأولياء فإنه لا أحد أدرك أعلى مراتب القبطانية لا من قلبه ولا من بعده لأن هذه المرتبة هي ختم الولاية وتسمى أيضا بالمقام المحمدي،و مقام الختم في القبطانية هي غاية الغايات ولا يدركها إلا شخص واحد،و هو الذي لا يكون بعدة لغيره
    ويستند التجانيون في تأكيد هذا المقام لشيخهم بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو الذي أخبر شيخهم بذلك.
    وعندما يناقشون هذه المسألة في كتبهم يقوون حجتهم بما رواه الشيخ ابن العربي فيكتابيه "الفتوحات الملكية" وعنقاء مغرب " من أن " قطب الأقطاب " و" خاتم الولاية " سيظهر بمدينة فاس، ومن علاماته الإنكار عليه، هذه الرواية يرى التجانيون أنها تصدق على شيخهم الذي بلغ هذه الرتبة وهو بفاس وتلقى الكثير من الإنكار .
    وبما أن الطريقة التجانية إنفردت بهذه المراتب فإنها في نظر أتباعها تسمو على جميع الطرق الأخرى، وهو ما أثار جدلا كبيرا وأدخل الطريقة التجانية في صراعات عقائدية دفعت بخصوم التجانية من السلفين وحتى من أصحاب الطرق الأخرى إلى اتهام التجانية بالضلال .
    وإذا عدنا إلى من دافع عن الطريقة التجانية نجدهم ينقسمون إلى متشددين بالغوا في تمجيد التجانية إلى درجة أنهم ألحقوا بها الأذى أكثر مما خدموها،نتيجة مغالاتهم فأتاحوا بذلك الفرصة لغيرهم لإعطاء البينة والحجج الدامغة على أن التجانية خارجة عن الشرع مستندين في ذلك مصادر الطريقة مثل " جواهر المعاني " و" الافادة الأحمدية " وغيرها.
    فكثيرا ما يقف خصوم التجانية على مورد في " جواهر المعاني " من أن فضل تلاوة " صلاة الفاتح " المرة الواحدة منها تساوي من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير ومن القرآن ستة ألآف مرة واعتبروه كفر ينبغي التبرؤ منه لا سيما وأنه ينسب إلى التجاني في كتاب " جواهر المعاني " قوله:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره بتلاوة " صلاة الفاتح " وأخبره عن فضل هذه الصلاة وأن هذا الورد ادخره له الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يذكر لأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين .الأمر الذي جعل خصوم التجانية يعتبرونه افتراء على الله ورسوله، بل مروق وخروج عن الدين .
    أما المعتدل من اتباع الشيخ التجاني لا سيما المتأخرين منهم، حاولوا في الكثير من كتابتهم تبرير وتفنيد ما جاء في مصادهم واعتبروه دساً مقصوداً الهدف منه التشنيع بشيخ الطريقة وهو في نظرهم برئ من كل مانيب اليه واعتمدوا على مقولته "إذا سمعتم عني شيئاً فزنوه بميزان الشرع فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه .
    ويعتمده في ورده على:
    أولا الوظيفة: وهي قراءة فاتحة الكتاب ثم صلاة الفاتحSad اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم ....إلخ بعد يشرع في ذكر الوظيفةSad استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين مائة مرة ثم ذكر الجوهرة وهي مدح النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشر مرة ومن لم يحفظها يأتي بها ليلاً عشرين مرة مع دعاء الفاتح وتختم الوظيفة بالآية الكريمة ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ .
    ثانيا: الورد المعلوم أن تستغفر الله مائة مرة ثم يصلي على النبي صلي الله عليه وسلم وتذكر ( لا إله إلا الله مائة مرة ) وتختم ذلك بالآية ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ً ﴾
    ثالثاً: الهيللة تذكر مرة في الأسبوع يوم الجمعة ما بين العصر والمغرب وهي كما يلي: (لا إله إلا الله ) من مائة إلى ألف وستمائة ويختم بدعاء الفاتحة
    ويمارس التجانيون أوراد الطريقة بشكل هادئ ولا يغنون بالغناء أثناء المديح بل يجلسون في دائرة وينشدون الأذكار مرة كل جمعة بعد العصر وازداد انتشار الطريقة التيجانية في القارة الإفريقية ومن العوامل التي ساعدت على انتشارها ذلك التكالب على القارة الإفريقية من جانب الأروبيين وما أعقبه من قيام الإدارة الاستعمارية بتجشيع رجال الصوفية بالمال وبسط النفوذ من أجل تشويه صورة الدين الإسلامي عن طريق نشر البدع والخرفات التي نعوق المسلمين عن مقاومة مستعمر الأروبي، عرف الأروبيون رغبة رجال الصوفية في الحصول على المال والنفوذ، فراحوا يغذون هذه الروح حتى قال جوليان بأن حكومة فرنسا قد عرفت كيف تجمع المتصوفة حولها عن طـريق التمويل والحماية .
    ولقد ساعد هذا التمويل على انتشار الطريقة التيجانية في أجزاء كبيرة من شمال القارة الإفريقية ووجد فيها الفرنسيون وسيلة للتفريق بينها وبين الطرق الأخرى حتى لا يتحد المسلمون ويقفون صفاً واحداً أمام محاولات فرنسا لتغريب هذه المناطق ولعل هذه المناظرة ما بين التيجانية والقادرية تظهر طرفاً من تلك الصراعات التي كانت في الجنوب الجزائر بعين ماضي ثم ألقت بظلالها في غرب افريقيا .
    المناظرة الصوفية ما بين التيجانية والقادرية:
    سبق وإن تعرضنا للطريقة القادرية والطريقة التجانية من حيث تأسيسهما وأورادها وأعمالهما إلا أنه ظهرت ما بين المريدين لكلا الطريقتين مناظرة أحد أطرافها من الأزواد بالضبط من تمبكتو ويمثل الطريقة القادرية والطرف الثاني بالمغرب وبالضبط مدينة فاس وقد تعدت مناظرتهما حدود هاتين الرقعتين بحيث تحمس كل طرف إلى طريقته وقادها بمدينة فاس أحمد أكنسوس.
    ودافع عنها بقلمه وقد حفظ لنا التاريخ جانباً مهماً من ثقافة العصر التي كتب بها كل طرف عن طريقته وسنتناول في البداية التعريف بأحمد أكنسوس (1212هـ-1284هـ) هو أبو محمد بن أحمد ولد في قبيلة أدا وكنسوس في سوس ( 1211هـ-1212هـ) وبها نشأ إلى أن بلغ الثامنة عشر من عمره فتوجه إلى فاس لإتمام دراسته وأخذ عن أكابر أساتذة ذلك العصر .
    فدرس السحر والتنجيم والتصوف فقد شغل على عهد السلطان مولاي سليمان على التوالي منصب الكاتب والوزير لكنه نكب لما بويع السلطان الجديد مولاي عبد الرحمان وألقى به في السجن وبعد أن أطلق سراحه استقر بمراكش ولم يغادرها حيث عاش عيشة زهد وتقشف طوال عهد مولاي عبد الرحمان وولده محمد وأوائل ملك مولاي الحسن، وقد فقد بصره في أواخر حياته وأدركته المنية يوم 14 فبراير 1294هـ/1877م ودفن خارج باب الرب بمراكش
    فقد عثرنا على العديد من الوثائق التي احتفظت بهذه المناظرة بعضها في شكل رسائل سنقدمها وبعضها في شكل كتب مطبوعة ومخطوطة مقروءة والآخر في شكل شعار .
    أولاً الرسائل:
    رسالة أحمد البكاي إلى أهل مراكش يبتدئ هذه الرسالة بالبسملة والسلام وهي موجهة إلى مقدم الطريقة القادرية بمراكش مولاي المدني العلاوي الشريف والسيد عبد السلام بن الطاهر ومولاي الكبير بن مولاي الطائع جاء في الصفحة الأولى حسب قول الكاتب أنهم ذكروا عبد القادر الجيلي سلطان الأولياء ثم ذكروا أنه لا مثيل للتيجاني أما الصفحة الثانية فيرى أن التيجانيين يدعون أن من أخذ ورهم يحصل له المال والغنى ويكون يوم القيامة في عليين ثم يرى أن أحمد البكاي أن طريق الأنبياء والأولياء ليست مبنية على طلب المال وفي نفس الوقت يرى التيجاني انه لم يدع للتربية وإنما ادعاها له أصحابه بعده طلباً للدنيا وفي الصفحة الرابعة يطلب منهم كثرة التواصل والتزاور في كل وقت وإلا ففي كل يوم أو في كل يومين أو ثلاثة أو في أسبوع ويطلب منهم أن
    يكون اللقاء يوم الإثنين والخميس ويستشهد بحديث في الموطأ،( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد المسلم لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا
    وفي النهاية طلب من مريديه أن يبلغوه تحياته ويدعوه للطريقة القادرية وفي نفس الوقت لا يترك الورد التيجاني فإنه ذكر إن أحب أن يستغني عنه بذكر آخر استغنى وإنشاء أضافه إليه ويطلب منهم أن يبلغه على أنه سيكتب له.
    ولم تقتصر المناظرة بينها بالرسائل فنجد كل طرف يعمل ما في وسعه من أجل التعريف بخصائص طريقته وما يشتمل عليه من أذكار وأدعية تتجاوز بها الطريقة الأخرى ولم يقتصر الأمر عند كتابة الرسائل والرد عليها بل وصل إلى أن كل طرف بدأ يدون لطريقته ويرد فيها على الطريقة الأخرى فقد خلصت لنا هذه المناظرة بالمخطوط المسمى بالجواب المسكت في الرد على من تكلم في التيجانية بلا تثبت .
    علماً وأن هذا المصدر يحتوي على عدة فصول تتعرض للرد على أقوال الشيخ أحمد البكاي وقد تناولنا فصلين بالدراسة فصل مفاده أن التيجاني ليس من أهل التربية وقد تناول هذا في الصفحة الخامسة والأربعين، كما يتناول في هذا المصدر أن التيجاني نهى أصحابه عن زيارة الأولياء الأحياء والأموات وهذا ما تناوله في الصفحة الخمسين من هذا المصدر علماً وأن هذين الفصلين من نقاط الاختلاف ما بين التيجانية والقادرية وفي نفس الوقت عثرنا على رسالة أحمد البكاي إلى أكنسوس .تفتح بالبسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ورد في الصفحة الأولى الحمد لله الأمر بالتواصل والإحسان وفي الصفحة الثالثة يقول أحمد البكاي إنما كذب على التيجاني رحمه الله حيث لم يراهم كذبوا عليه وأنه لا يريد أن ينتقص منتسباً إلى الله ولو كان كاذباً،تنتهي في شوال 1270هـ 1863م صفحة اثنان وعشرون .
    يا كتابي لأحمد قبل يديه * بدلاً من فمي فتفيه احتشام
    جوابه أحمد أكنسوس عن أحمد البكاي طويل:
    يبتدئ الجواب:
    رعت بعدما أبدى باسمه الفجر * وزال عن الإشراق من ليلة الحجر .
    أسيدنا البكاي يامن إذا بدا * محياه حيـتنا البشاشة والبـشر
    فهذا الجواب يبتدئ: من الصفحة إحدى عشر ومائة إلى أربعين ومائة أي حوالي تسعة وعشرون صفحة وقد أخترنا أبياتاً من الصفحة ثلاثة والعشرين والمائة .
    إذا لم تذق ما ذاقت الناس في الهوى * فبالله يا حالي الحشا لا تعتقنا
    فإن لم تـدرك المـعنى وتـدري * حقائق بلا قول فلا تلمني
    ومن حـضر السماع بغير قـلب * ولم يطرب فلا يلم المغني
    وإن تك عاذلاً لا جهلت أمري * فدع عنك الملام وخل عني
    ويقول له وقد قيل إن المقر بالذنب كالمغتسل .
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع........... الطرق الصوفية بإقليم توات وغرب إفريقيا خلال القرنين 18 -19   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:11

    كتب ورسائل الطريقة التيجانية
    تعددت كتب ورسائل الطريقة التيجانية التي عبرت من خلالها عن أفكارها ومواقف ردت بها على خصومها فهناك الرسالة المشهورة المسماة بالجواب المسكت وهي في الرد على من تكلم في الطريقة التيجانية بلا تثبت فقد ورد في الصفحة العاشرة: " ولسنا أنكم تقولون الباطل حاش لله لكن المبطلون هم الذين بلغوكم غير الحق وقضيتم بما سمعتم " ويقول له أحمد أكنسوس:
    ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت أميناً
    وعرضت ديناً لا مـحالة أنه * ومن خير أديان البرية ديناً
    ويحتويه هذا الكتاب على عدة فصول نذكرها:
    فصل يرد فيه على قول البكاي: " إن التيجاني ليس من أهل التربية " فصل فيه نهي التيجاني أصحابه عن زيارة الأولياء الأحياء والأموات .
    فصل في الشيخ سيدي أحمد البكاي الذي أرسل كتاباً لاكنسوس وأفشاه الرسول قبل وصوله إليه فانقلبت نصيحة فضيحة .
    فصل يهدد فيه البكاي ويعتذر له أيضاً .
    يقول أكنسوس لا تطمعوا أن تهينوناً ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم تؤذونا .
    يقول ها أنا أقف عجزاً وإعياء .
    يا كاتبي بالله قبل يديه * بدلاً من فمي ففيه احتشام
    رد الشيخ أحمد البكاي ولكن حسب رواة نساخه يرى أنه نسخه أحمد البكاي لم تصل إلى أحمد أكنسوس بسبب وفاة أحمد البكاي 1282هـ - 1865م. أما فهرس المخطوط فيقع في آخر المخطوط وبه تسعة وعشرون صفحة وقد أخترت بعض عناوينه. كتبوا كتابهم أي جوهر المعاني فمزقـه ولم يرضه ذلك دليل على صلاحه لما تضمنه من الكـفريات بالتصريح والتلميح . وأستمر أكنسوس إلى أن قال زعموا أن الاجتهاد انقطع ...الخ إلى أن قال والعمل بالعلم هو التربية .قال البكاي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزر أبا بكر ولا عمر ولا علياً ولا عثمان ولم يختصر مجالسهم فيزور ويحضر إلى مجلس التيجاني وسيدي محمد بن أحمد أكنسوس أني أكذب لهذا وأعذبه وطفق يعاتب على من يتصور هذا في عقله وعاتب سلطان وقته .
    - أتدري ما هي القصة أن التيجاني جاء إلى الغرب وقد كل علماؤه واشتغلت أمراؤه وكثر الجهل قي أهله فادعى لهم دعاوى وأمناهم أماني ...الخ إلى أن قال إن من كلام التيجانية أن
    طريقهم هي أخر الطريق فلا يأتي ولى بعدة بطريقة جديدة وبحث إلى أن قال ولا أحب أن أطول هنا إلى أن قال يا أكنسوس بحق أمامك مولانا عبد الرحمان رد أحمد البكاي على الرسالة المسماة بالجواب المسكت بكتاب ما يزال مخطوطا سماه فتح القدوس في جواب ابن عبد الله أكنسوس .
    فهذا المخطوط يتناول فيه أحمد البكاي مزاعم التيجانيين أن الاجتهاد انقطع والعمل بالعلم هو التربية وينفي ما قاله أكنسوس في قوله أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحضر إلى مجالس التيجاني من حين أنه لم يزر أبا بكر ولا عمر ولا علياً ولا عثمان أجاب فيه عالم مراكش مخطوط موجود بمركز أحمد بابا بتمكتوا مكتوب بخط مقروء عنوانه مكتوب بحبر أحمر وأزرق وسائر الكتاب بحبر أسود عدد صفحاته أربعمائة وخمسون صفحة .فإن الأسباب التي جعلت التيجاني في أقواله بالمغرب وهذا بحسب رأي أحمد البكاي أنه جاء إليه في وقت قل علماؤه واستغل أمرؤه وكثر الجهل في أهله فادعى لهم دعاوى وأمانهم الأماني وجعلهم يقولون أن التيجاني هو آخر مؤسس للطرق الصوفية فلا يأتي ولي بعدة بطريقة جديدة .
    دور الطرق الصوفية في نشر الإسلام في القارة الإفريقية:
    وبغض النظر عن أسماء الطرق الصوفية ومسمياتها والآراء التي نادت بها والأفكار التي حاولت نشرها فإن هذه الطرق قد لعبت دوراً كبيراً في نشر الدين الإسلامي في إقليم توات وحوض نهر النيجر ولو حاولنا فصل هذه الطرق عن الحياة الدينية بهذين الإقليمين لوجدنا أن المحاولة تؤدي إلى فشل من يتصدى لها وفي النهاية نقبل بهذا الطرق باعتبارها الحاكم في الحياة الإسلامية بإقليمي توات والأزواد رغم بعض الإدعاءات عن الانحراف الذي أصاب بعضها .
    ومهما يكن فإن لكل من الطريقة القادرية والطريقة الموساوية والطريقة الشيخية والطريقة التيجانية أثر كبير في نشر الإسلام وتعاليمه الدينية في الزوايا والكتاتيب القرآنية وحلقات الذكر التي تكون بعد الصلوات الخمي وفي أيام متعارف عليها بين مريدي الطرق الصوفية التي يكون في العادة ليلة الجمعة وفي نهارها هذه اللقاءات اليومية والأسبوعية ساهمت فيجذب العديد من
    المريدين الجدد إليها ولزواياها المتواجدة والمترامية في الإقليمين سواء للتعليم أو الإطعام من جهة أو تنظيم حياة الناس من جهة أخرى نتيجة إلى الحركة الساكنة في ذاتها الملتفة حول نفسها لما لها من ثقافة وإلهام روحي وزخم ديني من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية استطاعت بها من أن تحافظ على بقائها بإقليمي توات والأزواد .
    إلى جانب آخر هذه الطرق عرفت نقله نوعية بسبب أول اصطدام حضاري ما بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية التي كانت تقودها فرنسا خلال القرن التاسع عشر في نشر تعاليم الطرق الصوفية، ولا ننسى ركب الحج في النقاط التي تتجمع بها الحجيج بالأزواد ثم توات والمدة الزمنية التي كان يستغرقها الركب والتي تدوم في الغالب سنة هذه أهمية تؤدي إلى تفاعل حضري بين الشيوخ والمريدين حيث كانت هذه الفترة من أنشط الفترات فقد شهدت ازدهار حركة الطرق الصوفية حيث وصل عددها بالجزائر حوالي أربع عشرة طريقة بالإضافة إلى الطرق الفرعية عن كل طريقة . فكان لكل شيخ أتباعه ونشاطه الخاص وأثناء عودة شيخ الطريقة مع ركب الحجيج ينضم له أضعاف ما كان المريدين نظراً للثقافة التي تحصلوا عليها والمقامات التي زارواها والدروس التي سمعوها طلية سفرهم ، وقد أبدى علماء كنتة جهوداً في نشر الطريقة البكائية بشكل واسع وأعمق بإقليم الأزواد وحوض نهر النيجر فقد ألف الشـيخ المختار الكبير أكثر من ثلاث مئة رسالة عن الإسلام والمسلمين بالأزواد وغرب إفريقيا وصارت تعاليـمه التي حملها طلابه من أبرز العلامات التي ساعدت على انتـشار الإسلام بين الشعوب الزنجية في حوض نهر النيجر وغرب إفريقيا وعندما وصلت الطريقة البكائية إلى هذه الجماعات أصبح يدين بها أغلب الملوك والـثنيون واستمر الإسلام في الانتـشار على طول الطرق التـجارية وصارت محط القوافل مصدر إشـعاع ديني وروحـي في آن واحد ومن مؤلفات الشـيخ عثمان بن فودي .
    في نشر الطريقة القادرية مخطوط إحياء السنة وإخماد البدعة والمخطوط أصول الدين ومخطوط أصول الولاية وشروطها ومخطوط السلاسل الذهبية للسادات الصوفية ومخطوط السلاسل القادرية ومخطوط بيان البدع الشيطانية التي أحدثها الناس في أحوال الملة المحمدية ومخطوط تعليم الأخوان بالأمور التي كفرنا بها ملوك السودان .




    الخــاتمــة:

    وقد ساعدت هذه المؤلفات على جعل الطريقة أكثر انتشارا في غرب إفريقيا فقد سيطرت على مجتمع شمال نيجيريا وامتدت إلى باقي أجزاء القارة الإفريقية وأدت إلى التصدي لكثير من البدع والخرافات التي سادت حوض نهر النيجر وجعلت من الشيخ عثمان بن فودي يقف بحزم أمامها ويؤلف الكتب للتخلص من البدع السائدة وقامت جماعات من أتباعه ومريديه بحملة للتدريس وتعليم الناس القضاء ونشر قواعد الدين الإسلامي باللغة العربية كتابة وقراءة وصارت
    للطريقة القادرية في نيـجيريا مراكز للـذكر والصلاة إلى جانب التعلـيم والتدريس والإفتاء والقضاء ثم تطورت هذه الطريقة وصار لها طموح سـياسي أرادت من وراءه توحيد المسلمين ونشر الإسلام في غرب إفريقيا وقد سار إلى جانب عثمان بن فودي أخوه عبد الله الذي شاركه في مجال الدعوة وقد عملا على نشر هذه الطريقة الصوفية.


    المصادر والمراجع المطبوعة:
    - ابن الحجر العسقلاني:بلوغ المرام من أدلة الأحكام،الطبعة الثانية، أديس أبابا،مكشية مصعب بن عمير الإسلامية .د.ت.
    - ابن بطوطة (محمد بن عبد الله ):تحفة النظار في غرائب الأمطار وعجائب الأسفار،ج2،د.م المكتبة التجارية .د.ت.
    - ابن تـيمية:مجموع الفـتاوي،جمع وترتيب عبد الرحمان بن محمد القاسم،ج 32 الربـاط،مكتبة المعارف.
    - ابن حوقل ( ابو القاسم ):صورة الأرض، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة،د.ت.
    - ابن خلدون ( عبد الرحمان ):كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ج 6، بيروت، دار الكتاب اللبناني 1289 هـ.
    - ابن خلدون ( عبد الرحمان):المقدمة، بيروت دار القلم الطبعة الرابعة 1981 .
    - البكري ( الحاج محمد عبد الكريم بن عبد الحق ):جوهرة المعاني في تعريف علماء الألف الثاني،مخطوط بالخزانة البكرية، تمنطيط .
    - البلبالي ( الطيب بن عبد الله بن سالم ):مخطوط جريدة مختصرة في انساب أهل تيمي – خزانة كوسام .
    - التمنطيطي، ( سيدي محمد بن عبد الكريم بن الحق ):مخطوط درة الأقلام في اخبار المغرب بعد الإسلام خزانة بن عبد الكبير المطارفة .
    - التينلاني ( عبد الرحمان بن علي بن محمد ):رحلة من توات إلى الجزائر،مخطوط بخزانة كوسام تيمي.
    - التواني ( عبد الرحمان بن عمر):مخطوط فهرسة اعلام توات،خزانة كوسام .
    - إبراهيم (عبد الله عبد الرزاق ):اضواء على الطريقة الصوفية في القارة الإفريقية،د.م.مكتبة مدبولي 1990.
    - إبراهيم ( عبد الله عبد الرزاق ):الصوفية والمجتمع في غرب إفريقيا،د.م.المكتب المصري لتوزيع المطبوعات 1999.
    - بوعزيز ( يحي ):الطرق والأسواق التجارية في الصحراء الكبرى،تجارة القوافل ودورها الحضاري حتى نهاية القرن 19،الكويت،مؤسسة الفيلاج 1984 .
    - جلال ( محمد ):دراسات في التصوف الإسلامي شخصيات ومذاهب،دار النهضة العربية الطباعة والنشر،د.ت .
    - الجلول (محمد بن الحسن):الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي،ج1،المدينة المنورة، المكتبة العلمية،1977م.
    - سرير ميلود:دور الزوايا الثقافي والعلمي في منطقة توات.ج2،جامعة أدرار،2000.
    - سعد الله ( أبو القاسم ):تاريخ الجزائر الثقافي،ج2،4،بيروت،دار الغرب الإسلامي 1998.
    المراجع بالفرنسية:

    - ABEZTOUT ( Abderahime) , Touahri ( Abdelwahab), Architecture de la Tradition Ighrer , Alger ; s.n . 2001.
    - BASSET ( R) , Touat: Reccueil de mémoires et de textes publié en l'honneur du 14: Congrés des Orientalistes , Alger , Fontana . 1905.
    - BAKHLI ( Aoumeur ) et Tidjani ( Fouad) – Tamentit cité du désert Mémoire et anticipation ; Alger: s.n . 1989-1990.
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 7) واقـع الطـرق الصوفية بإقليم تـوات – بين المرجعية المعرفية والممارسة العملية –   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:15

    واقـع الطـرق الصوفية بإقليم تـوات
    – بين المرجعية المعرفية والممارسة العملية –
    The reality of sufic ways in Tovatarea:
    أ.إدريـس بن خـويا
    جـــامعة أدرار


    ملخص:
    لقد عرف إقليم توات ظاهرة التصوف بداية من العهد الأول لدخول الإسلام إليه، وأصبحت الحياة الروحية فيه تقوم على نشاط الطرق الصوفية التي قادها مشايخ أجلاء حملوا على عاتقهم مهمة نشر الإسلام وتعاليم مناهجهم الصوفية بإقليم توات؛ حيث وجدت أرضا خصبة لتنمو وتتفرع في أرجاء أنحاء المنطقة، ومن تلك الطرق الحاضرة في إقليم توات: الشاذلية، القادرية، التيجانية، الموساوية،....
    وكان انتشار الإسلام في الإقليم التواتي الهدف النبيل الذي سعت الطرق الصوفية إليه، كما وجدنا أنها عمدت إلى محاربة البدع والأفكار المجوسية واليهودية التي بدأت بنشر بذورها في أوساط المجتمع الإسلامي، الذي لم يسلم منه إقليم توات خاصة بقصر تمنطيط أين تصدا لها الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي.

    مقدمة:
    الحمد لله، نحمده سبحانه وتعالى حمدا جليلا يليق بجلالته وعظمته، لا نحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه، له الملك في الأولى والآخرة وهو على كل شيء قدير.
    ونصلي ونسلم على سيدنا محمد؛ الرحمة المهداة صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
    وبعد؛
    لقد ابتدأت نزعة التصوف في ق 2هـ فكان طابعها الورع والزهد، إلا أنها كانت احتجاجا على الانحراف عن المبادئ الإسلامية، ثم تطورت بمرور الزمن لتصبح نظاما معينا في العبادة واتجاها نفسيا وعقليا معينا.
    وقد نشأ التصوف نشأه إسلامية؛ حيث نجد الرسول - صلى الله عيه وسلم- كان يتعبد في غار حراء بعيدا عن الناس، وكان الخلفاء الراشدون يميلون إلى البساطة والزهد في الدنيا والعبادة إلاّ أنهم ليسوا صوفيين بالمعنى الذي بلغت إليه الصوفية فيما بعد.
    أما لفظة التصوف فقد اختلف أهل اللغة في ضبط اشتقاقها، فهي تحتمل أربعة آراء: فقيل أن يكون الصوفي منسوباً إلى صوفة، والثاني أن يكون منسوباً إلى الصوف، والثالث أن يكون مشتقاً من الصفاء، والرابع أن يكون منسوباً إلى كلمة سوفيا اليونانية .
    ويقال إنّ التصوف لغوي هو طريقة سلوكية قوامها التقشف والتحلي بالفضائل لتزكو النفس وتسمو الروح .
    وفي آراء أخرى هو من الصفاء أو الصفة، أو الذين يجلسون في الصف الأول في المسجد أثناء الصلاة. أومن الصوف؛ وهو رأي أغلبية اللغويين حيث كان الصوف واللباس الغالب على الزهاد والعباد.
    وقيل هو التخلق بالأخلاق الإلهية، والوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا فيرى حكمها من الظاهر في الباطن، وباطنا فيُرى حُكمها من الباطن في الظاهر فيحصُلَ للمتأدِّب بالحُكمين كمالٌ.
    ويقول ابن تيمية إن هؤلاء الصوفية نُسبوا إلى ظاهر اللبسة؛ وهي لباس الصوف، فقد قيل في أحدهم صوفي وليس طريقُهم مقيدا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك، ولا عقلوا الأمر به، ولكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال.
    ويضاف إلى ذلك ما روي من أن كلمة صوفي وردت في كلام منسوب إلى الحسن البصري وهو من التابعين فقد قال: رأيت صوفياً من الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذ وقال معي أربعة دوالق يكفيني ما معي ويشبه هذا قول سفيان: لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقائق الرياء، ويؤيد هذا وذاك ما جاء في كلام بعض المؤلفين من أن مكة كانت خلت قبل الإسلام في وقت من الأوقات حتى لا يطوف بالبيت أحد وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت ثم ينصرف، فاللفظة على ذلك قديمة، وقدمها يرجِّح نسبتها إلى من استحبوا الصوف من الأنبياء .
    وكلمة تصوف قد ورد ذكرها كثيرا في آداب الجاهلية، ويرجع معناها إلى مقصد الابتعاد عن زخرف الدنيا، ومن ذلك كان التصوف عنوانا للزهد والقناعة، وروي عن الأنبياء أنهم لبسوا الصوف، فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيتأثر لبس الصوف عن غيره من الثياب، وكان الناس سيتأثرون به ويعظمون من يلبسه لما يتميز به من ورع وزهد في الدنيا.
    اصطلاحا: التصوف هو عبارة عن طريقه انتقالية لا صلاح القلوب وتزكية الأنفس، ويطلق بمعنى العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ملذات الحياة وشهواتها.
    ومن هنا انفرد خواص أهل السنة والمراعون لأنفسهم مع الله تعالى، والحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة يلقب المتصوفة أو الصوفية، بعد المائتين من الهجرة، واشتهر به كل من تبعهم بصدق التوجيه.
    ولذلك سُئل الإمام الجنيد عن معنى التصوف فقال في كلمة جامعة، هو تصفية القلب عن موافقة البرية، ومقارنة الأخلاق الطبيعية، وإخماد لصفات البشرية.
    - مفهوم الطريقة:
    أ- لغة: هي مفرد طرائق: وتعني السير والحالة والمذهب، ويقال هو طريقة قومه، وهم طرائق قومهم .
    والطريق يقصد به النهج والمسلك، ويقال سلك مسلكا إذا اتخذ طريقا (عبره) وفي معنى آخر يقصد به الدرب، ويقال سلك درب الصالحين إذا عبره، ويقال أيضا انتهج طريقهم.


    ب-اصطلاحا: الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين إلى الله منقطع المنازل والترقي في المقامات.
    والطريقة عند الصوفية هي إقامة ناموس العبودية عبر الرحلة الممتدة من الخلق إلى الحق، وهي السبيل العارج من العالم الفاني إلى حضره الباقي عز وجل، فالطريق بهذا المعنى هو خروج السالك من وهم الغفلة وحب الدنيا ودخوله في طاعة المولى ومحبته.
    وأما الطريقة الصوفية هي عبارة عن منظمات دينية شعبية يضم كل منها شيخ وطائفة من المريدين، والأتباع للنهج الصوفي القائمة عليه.
    وأمـا عـن أصل ظهور التصوف وانتشاره فيرجع ظهوره إلى العهد الأول بداية من ظهور الإسلام مـع سيـد الخـلق أجـمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يتعبد بغار حراء، واستمر معه طيلة حياته وبعـد وفـاته تـوارثه الصحابة الكرام ثم التابعين لهم بإحسان .
    وبذلك نجد أن فترة تحديد ظهور التصوف في ق 2هـ ما هو إلا تدقيق للمرحلة التي برز فيها ذلك التغير المفاجئ في الحياة الروحية، وهو يعد بمثابة عملية تصحيح تهدف إلى العودة بالمجتمع الإسلامي إلى سالف عهده ووضعه على الخط الصحيح الذي رسمه له الرسول صلى الله عليه وسلم .
    وبذلك سنتطرق إلى أهم العناصر المتعلقة بانتشار التصوف وطرقه الشهيرة في أنحاء منطقة توات.

    الطرق الصوفية الرئيسية بإقليم توات:
    عرف إقليم توات ظاهرة التصوف من العهد الأول بداية من دخول الإسلام إليه، وأصبحت الحياة الروحية فيه تقوم على نشاط الطرق الصوفية التي قادها مشايخ أجلاء حملوا على عاتقهم مهمة نشر الإسلام وتعاليم مناهجهم الصوفية بإقليم توات، حيث وجدت –أيضا- أرضا خصبة لتنمو وتتفرع في أرجاء أنحاء المنطقة. ومن تلك الطرق: الشاذلية، القادرية، التيجانية، الموساوية.




    1- الطريقة الشاذلية:
    يرجع تأسيسها إلى أبي القاسم الجنيدي الذي تأثر به الشيخ شعيب أبي مدين الأندلسي ، الفقيه الشهير الذي انتشر صيته خلال 12م في كافة العلوم الإسلامية، الذي تتلمذ على يده الشيخ عبد السلام بن مشيش المغربي الأصل (ت 25 هـ) ونشر أفكاره أساتذة في البلاد، ونال بواسطتها شهرة فائقة ، الذي أخذ عنه –أيضاـ زعيم الطائفة الشاذلية علي أبو الحسن الشاذلي.
    والحقيقية يرجع منبع الشاذلية إلى هؤلاء العلماء الثلاثة الذين تأثر بهم أبو حسن الشاذلي، المولود سنة (593هـ) واستند إلى آرائهم وأفكارهم لتكوين الطريقة الصوفية المعروفة بالشاذلية، التي نشرها في إفريقيا الشمالية. ومنها أخذت طريقها غرب إفريقيا السوداء، ومن هناك وصلت إلى مصر، ومناطق المشرق العربي خاصة الحجاز، وتعتبر الشاذلية أهم الطرق الصوفية ليس في الحجاز فحسب، بل في شمال إفريقيا؛ حيث تفرعت عنها تقريبا كل الطرق الصوفية الأخرى التي عملت في هذه المناطق وغيرها من مناطق إفريقيا.
    الذكر عند الشاذلية:
    يتمثل الذكر عندهم في الاستغفار والصلاة والسلام على رسول الله 100مرة (اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي)، والشهادة 10مرات كل صباح بالإضافة إلى عقد اجتماع كل أسبوع، ومدة في الشهر في حلقات للذكر.
    - كما تفرعت عنها عدة طرق، منها: الجزولية، البونسية، العليوة، الحنصالية.
    انتشارها:
    لقد أشارت الوثائق البكرية إلى بعض الزوايا التواتية التي وجدها مولاي سليمان بن علي عند دخوله إلى تيمي، منها: زاوية عيسى، زاوية الغريبة، زاوية سيدي الحاج بأذعاغ،... لكن لا نعرف عن هذه إلاّ الأسماء .
    وما يمكن أن نجزم به هو أن أول زاوية بتوات قد أسست على المبادئ الثلاثة في معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له " هي زاوية مولاي سليمان بن علي، ثم نشرت على منوالها الزوايا التي تلتها فيما بعد.
    وبالتالي، فإن أول شريف إدريسي جاء إلى توات هو السيد مولاي سليمان بن علي حسب معرفتنا واطلاعنا المحدود، وأن زاويته أول زاوية تبرَّك بها جميع المواطنين، وتناولوا على الأقل إحدى وجباتها، ويُذكر أن سليمان بن علي لما وُلِد له وأظنه أو لهم استدعى جميع السكان إلى وليمة العتيقة.
    لذلك نتساءل، هل كانت لمولاي سليمان بن علي طريقة اشتهر بها؟.
    ومن المعروف أنه عاش في فترة نشط فيها علماء كبار اشتهروا في هذا المجال، ورواد خلد التاريخ ذكرهم أكثر من غيرهم، ومن هؤلاء: السيد علي بن حرزهم، ومعاصره السيد يعزى، وكبير تلميذهما السيد أبو مدين شعيب، ويُعتبر الولي سليمان بن علي هو أيضا من كبار تلاميذ الشيخين، ورفيق السيد أبي مدين شعيب في التحصيل العلمي المعرفي.
    فالشيخ علي بن حرزهم كان زاهدا في الدين، ضاربا الدنيا عرض الحائط، سالكا في التصوف، من الأولياء ذوي الكرامات والفراسات.
    فمن حيث الزهد يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهدا في الدين، ومنطقا: فاقتربوا منه، فإنه يلقن الحكمة "أخرجه أبن ماجة. أما من حيث الفراسة فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل" أخرجه الترمذي.
    أخذ ابن حرزهم عن عمه أبي محمد صالح بن حرزهم، وأخذ عنه خلق كثير، ومن أشهرهم أبي مدين شعيب، ومولاي سليمان بن علي.
    أما تلميذه شعيب ولد سنة (520هـ) بإشبيليا- الأندلس، كما كُلِّف من طرف إخوانه برعي غنمهم، وأهملوا تعليمه حتى بلغ الرابعة عشر من عمره، وهو لا يعرف كيف يُصلي، ولم يحفظ آية من القرآن الكريم.
    وعند هروبه من إخوانه ووصوله إلى فاس بعد معاناة يقول عن نفسه: " فسِرت إلى مجالس العلماء مجلسا بعد مجلس، وأنا لا يثبت في قلبي شيئا مما أسمعه من المدرسين إلى أن جلست إلى شيخ كلما تكلم ثبت في قلبي وحفظته"؛ ذلك الشيخ هو علي بن حرزهم، وهو شيخ أبي مدين شعيب، ومولاي سليمان بن علي.
    ولذلك يسأل الشيخ عن سبب تأثير كلامه في قلبه, فيجيب ابن حرزهم: "هم يتكلمون بأطراف ألسنتهم فلا يتجاوز كلامهم الأذنين، وأنا أقصد الله بكلامي فيخرج من القلب ويتوجه إلى القلب".
    وإذا كان الشيخ أبا مدين من كبار مشايخ الطرقية والمتقدمين جدا، وإذا كان علماء التصوف يقرون بالطرق المعروفة عندنا وينسبونها إلى الشاذلية باعتبارها أول طريقة فإن - مثل ما أوضحنا في انتساب الطريقة في أول المدخل- أبا الحسن الشاذلي قد أخذ عن شيخه السيد عبد السلام بن مشيش عن السيد عبد الرحمان جار المصطفى عن أبي مدين شعيب عن الشيخين علي بن حرزهم والسيد يعزى.
    يقول أبو مدين في ذلك "طريقتنا هذه أخذناها عن أبي يعزى بسنده عن الجنيد عن السري السقطي عن حبيب العجمي بالسند إلى رب العزة".
    ويمكننا أن نستنتج مباشرة، أنه مادام السيد علي بن حرزهم والسيد أبو مدين شعيب الغوث من كبار التصوف، ومن أهم رواد الطريقة، فحتما يكون الشيخ مولاي سليمان على درب شيخه وصديقه في التحصيل المعرفي العلمي، بالإضافة إلى اهتمام عصره الكبير بهذا الشأن.
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع.....واقـع الطـرق الصوفية بإقليم تـوات – بين المرجعية المعرفية والممارسة العملية –   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:18

    ويمكن أن نستدل ضمن هذا المقال بقول الأديب والشاعر التواتي الكبير السيد البكري بن عبد الرحمان التينيلاني يقول في مطلع قصيدة له مدح بها الشيخ مولاي سليمان بن علي:

    سـيـدي سـلـيـمـان نـجـل عـلي***************وفسيـل ابـن حـرزهم في الطـريقـة
    فُـقـت مـجـداً وسـؤدداً وكـمـالاً****************وسـلـوكـاً شـريـعـة وحـقـيقـة
    قـد حـللـت تـوات كالـبـدر يـسـري************تهـزِمُ الظـلـمـات منـه الشـريقـة
    ومَلَكـت أزمّـة الـعِـزّ والـتـصـريف***********فيـها مــع الـصّـفـات الأنـيـقـة
    وَبَـسـطـتَ يـديـكَ بالـجـود تُـعـط ************كـلّ ذي أمـال ثـيـابـا صـفـيـقـة
    ومـنـحــتَ الــزوار كــلّ مــرامٍ**************دُوحَـهُ سُـرَّ بالـغـصـون الوريـقـة
    وهـدَيْــتَ مـن الخــلائــقِ جـمّـاً ************للهُـدى بعـد هـونـهـم بسحِـيـقـة
    مثل سَـيّّـدي الأحـسـنـيّ فـأضـحى***********بالـولايـة ذِكـرُه فـي الـخـلـيقـة
    بعـد ما كـان في حضيـض انـقـطـاع**********فارتقى بعـدُ فـي المـراقـي الشـريقة
    وعـلـى قـبـرك المـعـظّــم نـورٌ**************ظاهـرٌ لـذوي الفُـهـوم الـدقـيـقـة
    حُـرمَــة عـظّـم الإلــه حِـمــَاهَا****************مَالَها فـي كـثـيـرها مـن شـقـيقة
    كُـــلّ مَــن لَــمْ يـكـن لــه أدبٌ****************في حـوزِها فـصَـمَ الإلـهُ وثـيـقـة
    سَنـد المستـغـيـثُ كُـن لـي غـيـاثا **************في عويض الخُطـوب تَضحـى طليـقة
    أنـت حامـي الـدِّمـارَ حاشـاكَ رُكـني************أن أكـونَ مِن الـجُـمُـوعِ الغَـرِيقـة
    في حِمـاك الضعـيـفُ مـادِح معـنـاكَ***********البُـكَـيْـرُ الفـقـير حالِكُ فـِيـقَـة
    ضـانَــهُ الله مِـن شـيـاطـيـن جِـنّ *************مـع إنــسٍ بـنـيـرَات عَـتـِيـقـة

    وفسيل ابن حرزهم؛ أي التصاقه بهذا الشيخ، وكأنه جزء اقتطع من شيخه، مثل الفسيلة هي جزء من النخلة.
    وهو تعبير وتقرير صريح بأن التلميذ قد ورث أسرار وطريقة شيخه، وهذا ما يدعم صحة الرأي الذي روى عن أحد أعيان القصر.
    إن مولاي سليمان كانت له طريقته الخاصة وأوراده، وأن آخر اتباع هذه الطريقة كانوا في بلاد سبع . وهو ما يمكن الإقرار به باعتبار أن سبع كانت في وقتها من كبريات المناطق أو القصور التواتية، وأن مولاي سليمان بن علي استقبله أعيان توات بهذا البلد، وأنه كذلك سرَّح مطيته التي حملته إلى توات من هذا البلد، وسكان سبع -أيضا- يعتبرون من الذين يحترمون مولاي سليمان ويخدمونه ويخدمون جميع الأولياء.
    وبما أن أول زاوية بإقليم بتوات هي زاوية مولاي سليمان بن علي، فيمكن القول كذلك إن أول طريقة صوفية دخلت إلى توات هي الطريقة الشاذلية.

    2- الطريقة القادرية:
    يرجع تأسيسها إلى الشيخ أبي محمد محي الدين عبد القادر بن عبد الله الملقب بالجيلاني نسبة إلى مسقط رأسه جيلان ببلاد فاس. وُلِد سنة 470هـ وتوفى سنة 561هـ، وجاء إلى بغداد سنة 488هـ.
    انتشرت أفكاره بين معاصريه، ولُقِّب بالقطب الرابع من أقطاب التصوف البارزين، تميزت الطريقة بتعاليمها السمحاء ومبادئها المعتدلة المأثورة عن أقوال وأفعال الشيخ الجيلاني، أهمها قوله:" اتبعوا ولا تبتعدوا، وأطيعوا ولا تخالفوا، اصبروا ولا تجزعوا، واتحدوا ولا تتمزقوا، وانتظروا ولا تيئسوا، واجتمعوا على الذكر ولا تتفرقوا، وتطهروا من الذنوب ولا تتناطحوا، وعن باب مولاكم فلا تبرحوا".
    الأذكار والأوراد:
    ولها مجموعة من الأذكار والأوراد، يتم قضاؤها وجوبا لأنها مأخوذة على وجه النذر والعهد، ولها أربعة مقاصة، هي:
    أ- الحسبلة: أعوذ بالله من الشيطان الرحيم، فإن تولوا فقل (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)، و(حسبك الله ونعم الوكيل) وذلك في 200 مرة.
    ب- الاستغفار: (بسم الله الرحمن الرحيم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، إن ربي رحيم ودود). وذلك في 200مرة.
    جـ- الهيللة: (اعلم أنه لا إله إلا الله) وذلك في 100 مرة.
    د- التصلية: (بسم اله الرحمن الرحيم، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلِّموا تسليما)، و(اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما). وذلك في 100 مرة.
    وأما الورد القادري فهو يتكون من عدد معين من الركعات يُقرأ في أولها فاتحة الكتاب مع سورة معينة، وبعد التسليم من الصلاة تُقرأ آيات محددة من القرآن، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو دعاء عاما يخص في نهايته مؤسس الطريقة القادرية عبد القادر الجيلاني وعندها ينتهي الورد.
    وأما كيفية أدائه فإنهم يقرؤون في الركعة الأولى سورة الكوثر(06) ستا وفي الثانية سورة الإخلاص (06)ستا، وفي الثالثة سورة الإخلاص (06)ستا، وفي الرابعة سورتي المعوزتين مرة واحدة، وفي الخامسة (آية الكرسي) مرة واحدة، وفي السادسة قوله تعالى: (لو أننا أنزلنا هذا القرآن على جبل) مرة واحدة، ويذكرون في السجود قوله تعالىSadرب اشرح لي صدري ويسر لي أمري). ثم يقول: " اللهم إني استودعك ديني وإيماني فاحفظهما علي في حياتي وعند وفاتي وبعد مماتي ".
    وتفرعت الطريقة القادرية إلى الجنوب الغربي من القارة إلى شعبتين كبيرتين؛ البكائية والفاضلية، غير أن ما يدخل ضمن الإطار الجغرافي هي الشعبة الأولى، وأما الثانية فظهرت في منطقة شنقيط والسنغال.
    انتشار القادرية وفروعها بإقليم توات:
    إنه هناك من يرى دخول الطريقة القادرية إلى إقليم توات وانتشارها فيه كان حوالي ق9هـ/15م على يد الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي الذي وُلِد سنة 820هـ و(ت909هـ). حيث أسس زاويته سنة 885هـ /1480م. وانطلقت دعواته الجهادية لنشر الإسلام وتعاليم القادرية، وأيضا لمحاربة البدع ونزع شوكة اليهود، فكان الشيخ محمد المغيلي القدوة الحسنة لتلامذته ولأتباعه الذين واصلوا مسيرته وعملوا على نشر القادرية في إقليم توات وخارجه، وسرعان ما انتشرت الطريقة القادرية على يد شيوخ آل كنتة في العديد من نواحي إقليم توات وخارجه، وبرز منهم عدد كبير من الفقهاء الذين صارت لهم القيادة الدينية حوالي ق10م؛ أي مع ظهور الشيخ المختار الكنتي (ت1226هـ/1921م). الذي أصبح معلما، وفقيها، ومربيا، محنكا، ذاع صيته في أنحاء واسعة من توات إلى أقصى وسط غرب إفريقيا من خلال أعماله العظيمة وتآليفه العديدة في العلوم الشرعية، ودراسات معمقة في الطرق الصوفية عامة، والقادرية خاصة، وله فيها كتاب (الكوكب الوقاد) تناول في بداية مخطوطه أسس القادرية ومؤسسها. كما أبرز مناهج التربية الصوفية السليمة من خلال تصانيفه العديدة في الأذكار، وهي قائمة على عنصر المحبة الذي قسمه إلى نوعين:
    أ- المحبة المفروضة: وتقوم على الامتثال للأوامر وعدم ارتكاب المعاصي، وأي تقصير في الواجبات معناه الوقوع في المحرمات والتقصير في أداء العبادات، وعلى كل مبتدئ أن يوازن بين الناحيتين حتى يستطيع إدراك المحبة المفروضة.
    ب- المحبة المندوبة: وهي التي يصلها كل من حقق المحبة المفروضة، واستوفى حقوقها، ثم يدخل في مرحلة المحبة المرتكزة على القيام بالواجبات ثم النوافل، والابتعاد عن المحرمات وعدم الوقوع في الشبهات.
    أضرحة مشايخ الطريقة بإقليم بتوات:
    ومنها على سبيل الذكر لا الحصر؛
    - ضريح الشيخ المختار بن محمد بن عمر بلوافي بقصر الجديد.
    - ضريح الشيخ أحمد بن محمد الرقاد.
    - ضريح الشيخ أمحمد بونعامة بأقبلي.

    3- الطريقة التيجانية:
    وتُنسب إلى الشيخ أبي العباس ابن احمد بن محمد بن مختار التيجاني الحسيني، وُلد بدائرة عين ماضي ولاية الأغواط عام 1150هـ/1717م، وتوفى 19/09/1615م بفاس بعد مطاردة باي وهران له، واستيلائه على قرية عين ماضي، وترك ذخرا كبيرا من المؤلفات، منها: الإرشادات الربانية بالفتوحات الإلهية من فيض الحضرة الأحمدية التيجانية وهي بمثابة شرح لقصيدة الهمزية، وجواهر الحقائق في شرح الصلاة المسماة ياقوتة الحقائق والتعريف بسيد الخلائق.
    وبعد وفاة والِده غادر عين ماضي وراح ينتقل بين مناطق عدة، منها: (بوسمغون؛ وهي جنوب غرب البيض، وتوات، والأبيض سيدي الشيخ، وتلمسان...) وفيها كان يتصل بالعلماء والفقهاء، يأخذ عنهم ويستفد منهم، ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهناك التقى بأعلام التصوف واجتمع بهم وتحاور معهم، وأخذ عنهم تعاليم التصوف ومبادئ التربية الروحية.
    وكان من أول أساتذته الشيخ أحمد بن حسان القدري من مدينة فاس، ثم تتلمذ على يد الشيخ مولاي الطيب الوزاني شيخ الطريقة الطيبية، وقد دام مكوث الشيخ التيحاني بفاس حوالي18سنة درس خلالها وتفقه في شتى العلوم الشرعية.
    الأوراد التيجانية:
    وتشتمل على مجموعة من الأذكار والأدعية المستحبة، وتلخص في ثلاثة أركان، هي كالآتي:
    أ- الورد المعلوم اللازم صباحا ومساءً 100من الاستغفار( استغفر الله)، و100من الصلاة على النبي المختار صلى الله عليه وسلم، ويفضل أن تكون بصلاة الفاتح لما أُغلق (اللهم صلي على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى أله حق قدره ومقداره العظيم).
    ب- الوظيفة؛ وهي تؤدى مرة في اليوم، ولمن أراد الزيادة في الخير يؤديها مرتين، ويشترط أن تؤدى جماعة إلاّ لعذر، وهي (استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) 30 مرة، و(صلاة الفاتح لما أغلق) 50 مرة، و(لا إله إلا الله) 100 مرة.
    جـ- الهيللة؛ وهو ورد أسبوعي يؤدى من بعد صلاة عصر الجمعة إلى المغرب، ويشتمل على ( لا إله إلا الله) ما بين 1000 إلى 1600 مرة وشرطها الجماعة.
    انتشار التيجانية:
    عرفت انتشار واسعا بفضل بعض القوافل التجارية التي اتخذها التيجاني واتباعه وسيلة لنشر طريقتهم، فكانت قوافلهم التي تجوب الصحاري من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب مرورا بتوات إلى تمبكتو، ومنها إلى السنغال ذهابا وإيابا تحمل البضائع، وفي الوقت نفسه تبث الدعوة بين سكان تلك المناطق، وتنظم أمور المريدين، وتُسهِل عليهم إمكانية الدخول في الطريقة وآداء تعاليمها بما كان يوفره الشيخ التيجاني وأتباعه من شـروط روحـية ومادية أمنية تستقطب
    الجماهير نحو دعوته وتزكيتها.
    وفي مدة قصيرة انتشرت التيجانية بين معظم سكان توات، وثبتت جذورها في عدة مناطق من الإقليم؛ بحيث نجد دخولها إلى توات عن طريق سيدي علي العين صالحي( نسبه إلى عين صالح)، الذي أخذ الطريقة وسار بها إلى تيدكلت التي هي محل نشأته، وأنشأ الزاوية بعين صالح التي تسمى الزاوية التيجانية، ولما توفى خلفه بعض إخوانه، وبنى هناك زاوية يجتمع بها الفقراء للصلاة وتلاوة القرآن، ودخل على يده جملة من التوارق في الإسلام.
    وممن كان مؤثرا في نشرها العلامة سيدي إدريس بن العربي التينلاني، وهي منتشرة بـتوات إلى الآن. وزاد انتشارها بتيميمون على يد أسرة "بن جعوان" منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات.
    وما زال أفرادها يشرفون على نشر التيجانية، نذكر منهم: " بن جعوان محمد العربي" المقدم الأول لها، وقد تفرعت عنها زاوية ماسين وزاوية أوقروت القائمتان إلى حد الآن على تلقين تعاليم الطريقة التيجانية وتكوين المريدين والمقدمين فيها.
    كما يرى التيجانيون أن طريقتهم أفضل الطرق على الإطلاق، لذا تغلب عليهم صفة الكبرياء ويعتبرون أنفسهم بأنهم أفضل الخلق. يُوضِح ذلك قول أحد التيجانيين:
    ما الناس سـوى قـوم عـرفـو ***** ك وغـيـر همـو هـمج هـمج
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع.....واقـع الطـرق الصوفية بإقليم تـوات – بين المرجعية المعرفية والممارسة العملية –   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:24

    4- الطريقة الموساوية:
    تنسب لصاحبها الشيخ سيدي أحمد بن موسى بن خليفة، وُلد سنة 897هـ أو 895هـ بقرية سيدي موسى لمدينة فاس مثل ما جاء به الإمام محمد مصطفى الكنتي، وتوفى سنة 1013هـ/1904م عن عمر يناهز القرن وثمانية عشر سنة. حفظ القرآن على سيد الشيخ محمد بن أبي جمعة الصماني، وأخذ العلوم الأخرى عن الشيخ محمد بن أحمد بن غازي المكناسي، والشيخ عبد القادر الفاسي)... أخذ من جملة المشايخ عدة أصناف من العلوم وأصبح محط الأنظار، فخرج من فاس وتوجه إلى سلجماسة، فدرس التصوف عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن السهلي الذي مكث عنده مدة من الزمن، وأخذ عنه الطريقة.
    ثم انتقل إلى مراكش وإلى سوس، ثم درس بالونشريس، ثم بني حماد بتلمسان ليتحقق بالجمع بين علمي الشريعة والحقيقة عملا بقول الإمام مالك بن أنس: " من تفقه ولم يتصوف فقد تفسَّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق ".
    وهناك نزل على الشيخ سيد محمد بن عبد الرحمن السهلي فلقَّنه الاسم الأعظم ثم أرسله إلى أخيه في الله الإمام القدوة الشيخ سيد أحمد العروسي بالساقية الحمراء، فمكث عنده مدة يلقن العلم الباطن، والتربية الروحية الصحيحة، ثم عاد إلى حاضرة فاس وعمره يناهز 31 سنة.
    ويعتبر أن الشيخ سيدي أحمد بن موسى قد أخذ الطريقة الصوفية الصحيحة عن الشيخ سيد محمد عقبة الحضرمي، عن الشيخ سيد الشريف القادري... وصولا إلى سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – عن سيدنا محمد صلى الله عليه سلم.
    الأوراد والأذكار الموساوية وطريقة تلقينها:
    وأما طريقة تلقين الذكر وكيفيته، فهو أن تكون السبحة في يد الشيخ حين التلقين، وذلك بأن تكون السبحة في اليد الشيخ اليسرى ويُحتبى بركبته اليمنى ويُوقف اليسرى، ويكون مستقبلا للقبلة، ويكون المريد أمام الشيخ موليا وجهه للشيخ وظهره للقبلة، ويُشابك الشيخ يمينَهُ بيمين المُريد، ويتوبون إلى الله جميعا توبة بصوت واحد، ثم يأخذ على المريد العهود بعدم الرجوع للمعصية أثناء تلك المشابكة سرا وجهرا، وفي جلسة المريد تلك يكون محتبى ركبته اليسرى ورافعا ركبته اليمنى، والشيخ يلقنه الذكر والورد الموساوي، والمريد يردد وراءه ولا يقومان حتى يتمكن المريد من الذكر دون تصحيف.
    وعند بعض المشايخ يزيدون على ذلك بأن يأخذ المريد حبات السبحة بيمينه حتى يدفعها شيخه بشماله، وبعد أن يحفظ الذكر ويتم التلقين يجعل فتوحا لشيخه حسب القدرة وليس بواجب.
    ويوجد للشيخ سيدي أحمد بن موسى وردان؛ أحدهما قصير يتكون من 100 تسبيحة تؤدي عقب كل صلاة، وورد طويل يتكون من ألف تسبيحة تؤدى ثلاث مرات بعد صلاة العشاء.
    انتشارها:
    ولما تمكن الشيخ سيد أحمد بن موسى في العلوم ارتحل مع والده إلى الجزائر، وبالضبط بكرزاز، وهناك طاب له المقام، فسكن بها،ومنها انطلقت دعوته وبدأت تنتشر في الأنحاء المجاورة.
    وسرعان ما ذاع صيته واشتهر بين الناس بصلاحه وبركاته، فتوجه المريدون نحو الاستسقاء من ينابيع علمه الفياض، ويقصدون زاويته خاصة أهل توات الدين تغلغلت روح الطريقة الموساوية في نفوسهم، حتى أنه لا نكاد نجد قصرا من قصورها أو ناحية تخلو من أتباعه، فدخلت إلى توات عن طريق بعض من الأعيان منهم الشيخ بن عومر الدفين ببودة (ت1074هـ)، ومنه انتشرت في بعض القصور مثل قصر ميمون على يد "القاضي الشيخ الميموني"، وقصر بوزان، وقصر سيد البكري.
    ومن أبرزهم كذلك شيخ الطريقة الصوفية الموساوية الذي عُرف بكراماته وحُسن سيرته وثقاته بإقليم توات الشيخ سيدي محمد بلكبير- رحمة الله عليه-، ورضي الله عنه الذي توفى سنة 2001م.
    كما نجد مقدموا الطريقة الموساوية بتوات هم:
    - بودة: أمحمد ولد عبد القادر .
    - تمنطيط: سي أحمد ولد الصديق .
    - وجلان: الحاج أحمد.
    - اسبع: الحاج الطاهر والحاج إبراهيم.
    - تيمي: سي محمد بن علي .
    - أدغا: محمد بن أمحمد.
    - أولاد إبراهيم: مولاي عبد الرحمن ولد مولاي علي.
    5- الطـريقة الطيبـية:
    وهي للشيخ شريف وزان، زاويتها الرئيسية بالمغرب الأقصى، لذلك وُجدت ضمن خطاطة بيد المرحوم الوليد بن الوليد أن مؤسسها هو مولاي عبد الله الشريف الوزاني، وُلد سنة 1005هـ / 1597م تبازروت، وتوفى يوم الخميس 02 شعبان 1089هـ .
    انتقل إلى وزان، وبها ضريحه، فهو من كبار العلماء والأولياء، وأخذ عنه خلق كثيرون.
    ومن أبنائه: مولاي التهامي، مولاي الطيب، مولاي الهاشمي، مولاي العربي، مولاي المكي، مولاي عبد الله، مولاي أحمد، وأكبر أبنائه هو مولاي التهامي.
    ولذلك تنسب بعض الأبيات لابنه مولاي التهامي:
    يظنـون بـي خيرا وما بي من خير ولكـنـني عبـد ظـلـوم كما تـدري.
    ستـرت عيـوبي كلها عـن عيونهم وألبستنـي ثـوبا جميـلا مـن الستـر.
    فلا تفضـحني يـوم القيامة أعيـنني ولا تخـزني اللهم في موقـف الحشـر.

    وهذا نظم أحد الجزائريين في شرفاء وزان:
    فإن بنـي وزان قوم توارثــــوا *** معـارف لا تُـفـنى وأزلنـي الـدهـر.
    فإنهـم كالنجـم إن غاب كـوكــب *** يـدى كـوكب أضـواؤه لم تـزل تُترى.
    رد الطريقة:
    يتكون ورد الطريقة من آيات قرآنية، ومن حزب البحر للشاذلي، والمشيشية، وحزب السيد أحمد زروق، وحزب السيد محمد بن سليمان الجزولي.
    كما اشتهرت بالموسيقى الصوفية، وتسمى بالحضراء.
    انتشارها:
    وكما هو معروف أنها دخلت إلى توات على يد الشيخ محمد بن عمر المهداوي التمنطيطي، ومنها تسربت إلى بودة وانتشرت بتوات كلها. وأخذ التمنطيطي الطريقة عن سيدي مولاي التهامي الوزاني، ومن أخيه مولاي الطيب، وأبناء سيدي مولاي عبد الله.
    خـلاصـة:
    لقد لعبت الطرق الصوفية المنتشرة بإقليم توات دورا هاما على مختلف الأصعدة، ولها أثر بالغ الأهمية في الحياة الروحية والاجتماعية لسكان توات وغيرهم من الشعوب الإفريقية التي وصلها إشعاع الحضارة الإسلامية على أيدي مشايخ الطرق الصوفية.
    إن انتشار الإسلام في هذه المنطقة ما هو إلاّ ذلك الهدف النبيل الذي سعت الطرق الصوفية إليه خاصة الشاذلية والتيجانية والقادرية... إلى تحقيقه، ويتصل هذا بجهدهم الدؤوب، وسد الثغرات.
    كما أنها عمدت إلى محاربة البدع والأفكار المجوسية واليهودية التي بدأت بنشر بذورها في أوساط المجتمع الإسلامي، ولم يسلم منها إقليم توات خاصة بتمنطيط؛ حيث تصدا لها الشيخ محمد ابن عبد الكريم المغيلي انطلاقا من زاويته التي جمعة بين مهمتين؛ تعليمية وحربية، وكان شيخها حريصا على الأخوة القائمة على نظام إسلامي لبناء مجتمع موحـد، ولا يتأتى ذلك إلاّ بالمعرفة لحقيقة لمضامين تلك الطرق الصوفية، وبالتالي وصولا إلى ممارسة فعلية لها في الواقع الاجتماعي المعاش.

    مكـتـبـة البـحـث:
    * المخطوطات:
    1- أنساب الشرفاء لأبي بكر بن محمد السيوطي (مخطوط)، متواجد بخزانتي باعبد الله لصاحبها بن وليد الوليد، ومولاي سليمان بن علي، لصاحبها الأستاذ علي سليماني.
    2- درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام، سيدي محمد بن عبد الكريم بن عبد الحق، مخطوط بخزانة سيدي أحمد بن ديدي (تمنطيط).
    3- زهرة الأخبار في تعريف أنساب آل بيت النبي المختار، للعلامة المدقق والمحقق أبي عبد الله أحمد بن المقري التلمساني (مخطوط)، متواجد بخزانتي باعبد الله لصاحبها بن وليد الوليد، ومولاي سليمان بن علي، لصاحبها الأستاذ علي سليماني.
    4- مجموع الجواهر في طريق سلطان الأوليا الشيخ عبد القادر الجيلاني، للشيخ الحاج عمر الطبوني الفونجلي بن الشيخ محمد التسليمي، مخطوط بمكتبة الحاج محمد السالم المغيلي بحي الغربي، أدرار.
    5- المناقب المعزية في مآثر الشيخ الكرزازية، ابن عبد الكريم الكرزازي، مخطوطة بخزانة الحاج الطيب الشاري، كوسام، أدرار.
    * المصادر والمراجع:
    6- الدرر النفيسة في ذكر جملة من حياة الشيخ سيدي أحمد بن موسى، الشيخ مولاي التهامي غيتاوي، منشوراتANEP، 2004م.
    7- الطرق الصوفية ونشر الإسلام والثقافة العربية في غرب إفريقيا السمراء، د.عمار هلال، منشورات وزارة الثقافة والسياحة، الجزائر، 1984م.
    8- نبذة عن حياة الشيخ سيد أحمد التيجاني، التيجاني سالم الحبيب، تغزوت الوادي، الجزائر، 1999م.
    9- نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرها في الجزائر خلال العهد العثماني، فيلالي الطاهر، دار الفكر القرافيكي للطباعة والنشر، باتنة، ط1.
    10- سلسلة المرآة الصافية في ذكر بعض الصوفية الصافية، للإمام الشيخ مولاي التهامي غيتاوي، منشورات ANEP، 2006م.
    11- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
    12- الصحراء الكبرى وشواطئها، إسماعيل العربي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983م.
    13- الرائد في ذكر جملة من حياة وفضائل وكرامات الشيخ سيدي محمد بلقايد –رحمة الله عليه-، للإمام الشيخ مولاي التهامي غيتاوي، منشورات المؤسسة الوطنية للاتصال، النشر والإشهار، 2002م.
    14- الرسالة القشيرية، أبو القاسم بن هوازن القشيري، تحقيق خليل المنصور، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط3، 1426هـ-2005م.
    15- تاريخ الجزائر الثقافي، لأبي القاسم سعد الله، دار الغرب الإسلامي، الجزائر، ط1.
    16-التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، د.زكي مبارك، دار الجيل، بيروت- لبنان.
    17- التصوف الشرعي، سيد نور بن سيد علي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421هـ-2000م.
    * الرسائل الجامعية: - دكتوراه دولة:
    18- توات والأزواد خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد، د.محمد حوتية، بإشراف د. ناصر الدين سعيداني، جامعة الجزائر، 2003-2004م.
    - ليسانس:
    19- الطريقة وأثرها على العلاقات الإنسانية (التيجانية والقادرية)، محمد مازر والهامل مسعودي، مذكرة ليسانس في علم النفس، بإشراف د.دالي حسين، جامعة السانيا-وهران، 1999-2000م.
    20- الطرق الصوفية والزوايا بإقليم توات، زاوية سيدي أحمد ديدي نموذجا، كريمي أم كلثوم وابن ديدي فاطمة، مذكرة ليسانس في التاريخ، بإشراف د.محمد حوتية، جامعة أدرار، 2005-2006م.
    * الملتقيات:
    21- الزاوية؛ نشأتها، تطورها، أهدافها، مبادؤها، أ.عبد القادر نيكلو، مقال قدم في الندوة الثانية حول الشيخ الولي الصالح سيدي مولاي سليمان بن علي- رضي الله عنه-، وذلك يوم 15 ماي 2006م بالمسجد الكبير بقصر أولاد أوشن-أدرار.(مخطوط).
    22- نبذة تاريخية موجزة عن الشيخ سيدي المختار الكبير الكنتي، الجمعية الثقافية للحفاظ على آثار وتاريخ الشيخ سيدي أحمد الرقادي الكنتي، الملتقى الثاني حول دور آل كنتة في نشر الإسلام، زاوية كنتة، أدرار، يوم 20 أقريل 2004م.
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 8) دور الصوفية في الدعوة الشيخ عبد القادر الجيلاني أنموذجا   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:30

    دور الصوفية في الدعوة
    الشيخ عبد القادر الجيلاني أنموذجا
    د. نور الدين طوابة
    جـــامعة أدرار

    الملخص:
    لم يحدثنا تاريخ الفكر الإسلامي عن معارك أعنف ولا أقسى من تلك المعارك التي دارت رحاها حول التصوف ورجاله، فقد هوجموا هجوما عنيفا متواصلا من رجال الفكر والعلم والفقه، بكل أطيافهم وعلى تعدد مذاهبهم.
    وهذه الحرب رغم قسوتها وضراوتها حينا ولينها بعض الشيء أحيانا أخرى، فقد خدمت الفكر الإسلامي خدمات كبرى، تتجلى في هذا التراث الضخم الذي تزخر به مكتبات الفكر الإسلامي عبر العالم أجمع.
    وإذا كانت هذه المعارك التي دارت حول الصوفية والتصوف، اتصفت بهذه الصفة من القسوة والعنف فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان للتصوف والصوفية دور في الدعوة الإسلامية التي انتسبوا إليها؟ وخاصة في مجال الفهم والتطبيق والتبليغ.
    ذلك ما أحاول الإجابة عليه من خلال عناصر هذه المداخلة والتي أتناول فيها شخصية الشيخ عبد القادر الجيلاني كنموذج لدور الصوفية وإسهاماتهم في المجال الدعوي وفق النقاط التالية:
    1 ـ مفهوم التصوف
    2 ـ التصوف عند الشيخ عبد القادر الجيلاني
    3 ـ الشيخ عبد القادر الجيلاني المولد والنشأة
    4 ـ مؤلفات الشيخ الجيلاني
    5 ـ جهوده في الدعوة
    6 ـ تأثيره في المدعوين
    7 ـ منهجه في الدعوة
    8 ـ الموضوعات الرئيسة في منهجه الدعوي
    الدعوة إلى العمل وذم البطالة.
    الدعوة لنصرة السنة ومحاربة الابتداع.
    نقد المنكرات الشائعة في المجتمع.
    توجيه الناس ودعوتهم إلى الدين الصحيح.
    والله ولي التوفيق
    تمهيد:
    لم يحدثنا تاريخ الفكر الإسلامي عن معارك أعنف ولا أقسى من تلك المعارك التي دارت رحاها حول التصوف ورجاله، فقد هوجموا هجوما عنيفا متواصلا من رجال الفكر والعلم والفقه، بكل أطيافهم وعلى تعدد مذاهبهم.
    وهذه الحرب رغم قسوتها وضراوتها حينا ولينها بعض الشيء أحيانا أخرى، فقد خدمت الفكر الإسلامي خدمات كبرى، تتجلى في هذا التراث الضخم الذي تزخر به مكتبات الفكر الإسلامي عبر العالم أجمع.
    وإذا كانت هذه المعارك التي دارت حول الصوفية والتصوف، اتصفت بهذه الصفة من القسوة والعنف فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان للتصوف والصوفية دور في الدعوة الإسلامية التي انتسبوا إليها؟ وخاصة في مجال الفهم والتطبيق والتبليغ.
    ذلك ما أحاول الإجابة عليه من خلال عناصر هذه المداخلة والتي أتناول فيها شخصية الشيخ عبد القادر الجيلاني كنموذج لدور الصوفية وإسهاماتهم في المجال الدعوي وفق النقاط التالية:
    1 ـ مفهوم التصوف
    2 ـ التصوف عند الشيخ عبد القادر الجيلاني
    3 ـ الشيخ عبد القادر الجيلاني المولد والنشأة
    4 ـ مؤلفات الشيخ الجيلاني
    5 ـ جهوده في الدعوة
    6 ـ تأثيره في المدعوين
    7 ـ منهجه في الدعوة
    8 ـ الموضوعات الرئيسة في منهجه الدعوي
    الدعوة إلى العمل وذم البطالة.
    الدعوة لنصرة السنة ومحاربة الابتداع.
    نقد المنكرات الشائعة في المجتمع.
    توجيه الناس ودعوتهم إلى الدين الصحيح.

    1 ـ مفهوم التصوّف:
    لقـد حفلت كـتب التصوف ومؤلفات طـبقات الصوفية بتعاريف مختلفة للتصوّف والصوفية بل وحتى القضايا التي أثارها المتصوّفة لم تسلم من الخلاف هي أيضا.
    و كذا مصطلح الصوفي اختلف الناس حول مصدر هذه التسميّة، والأمر الذي لا خلاف فيه هو أن الخلاف الذي وقـع كان انطلاقا من مدى قـبول ظاهرة التصوّف في حد ذاتها أو ردّها أصـلا وسنعرض بشيء من الإيجـاز لمفهوم هـذه الكلمة عند بعض العلماء ممن عرفوا بالتصوّف حتى تتّضح لنا جذور الخلاف وأسبابه .
    من أهم مصـادر كتب التصوّف التي وصلتنا كتاب " حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " لأبي نعيم الأصبهاني والذي اعتبر فيه أن الصوفية هـم الصالحون العقلاء الذين ينقاد لهم الصالحون والعقلاء مثلهم، وهـم السالمون من الفتن والموقون من المحن، المبرورة أقسامهم، وهم الذين صـانوا أنفسهم أن تغتر بالدنيا فنظـروا إلى باطن العاجلة فرفضوها، ووضعوا ظاهرا بهجتها وزينتها، وهم الأتقياء المخلصون، الحاكمون بالعدل، والباذلون للفضل إلى غير ذلك من الأوصاف التي أطلقها أبو نعيم عليهم، أما كلمة التصوّف عنده فهي مشتقة من الصفاء عند أهل الإشارة،
    أما أصل كلمة الصوفية عند غيره من العلماء كابن الجوزي مثلا فهو يرى أنها من الأسماء العربية الصميمة وليست اسما دخيلا فهو يرجعه إلى خدم الكعبة الذين انقطعوا للخدمة فيها يقول في ذلك: " أن أول من انفـرد به بخـدمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ عند بيت الله الحرام رجل يقال له صوفة واسمه الغوث بن مر فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ فسمّوا بالصوفية " ويواصل ابن الجوزي ذكر ما وصل إليه علمه عن سبب تسميّة الغوث ابن مر هـذا بصوفة فيقول: " إنما سمي الغوث بن مر صوفة لأنه ما كان يعيش لأمه ولد فنذرت لئن عاش لتعلّقن برأسه صوفة ولتجعله ربيط الكعبة ففعلت، فقيل له صوفة ولولده من بعده " ، وقيل أن الصوفية سموا بهذا الاسم نسبة إلى أهل الصفة أو أنه من الصوفانة وهي بقـلة رعناء قصيرة، فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء ولكن ابن الجوزي لا يسلّم بهـذين التعريفين، ويرجح أن الصـوفية يحتمل أنها راجعة إلى صوفة القفا وهي الشعرات النابتة في مؤخره التي يطلقها القوم نسيانا لأنفسهم في التعبّد، أو إلى كلمة صوف فيقول: " وقال آخرون بل هو منسوب إلى الصوف وهذا يحتمل، والصحيح الأول " .

    2 ـ التصوف عند الشيخ عبد القادر الجيلاني:
    أما الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله فإنه يرى أن التصوّف هو الصفاء من أدران النفس والهوى، والصدق وحسن الخلق مع الخلق، وحتى يبتعد به عن الابتداع فإنه يلزم مريديه بالآداب الشرعية، لأن التصوف عنده ليس أقـوالا تقال ولكنه طريقة فيها الجوع وقطع المألوفـات والمستحسنات، والمتصـوّف عـنده لا ينبغي له أن يخترع لنفسه عبادات وصلوات لم يرد بها الشرع بل عليه الالتزام بالكتاب والسنة التزاما حرفيا .
    أما شيخ الإسلام ابن تيميه فيرجح أن كلمة صوفي منسوبة إلى لبس الصوف، لأن هذا هـو الحال الظـاهر للمتصوّفة أما رأيه فيهم فهو يقف منهم موقفا وسطا فيرى أن منهم المذنب ومنهم التقي وهم على ثلاث طبقات: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسوم .
    والذي يمكننا ترجيحه في هذا المقام أن أصل كلمة تصوف أو زهد كمصطلح كلمة حـديثة الوجود لم تكـن موجودة أيام السلف فقـد " كانت النسبة في زمن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد ثم نشأ أقـوام تعلّقوا بالزهد والتعبّد فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفرّدوا بها، وأخلاقا تخلّقوا بها " .
    وحاصل الأمـر إذن فإن التصوف كان في بداية الأمر يحمل معنى أخلاقيا ؛ فكان عبارة عن رياضة للنفس ومجاهدة الطبع، بردّه عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الحميدة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والتقوى والورع إلى غير ذلك من الخصال التي تكسب الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، لكن هذا المعنى الأخلاقي الجليل الذي اتسم به التصوّف لم يستمر على ما كان عليه أوائل القوم ونظرا لتغير الأحوال والأزمان جاء قوم من الأدعياء فلبّس عليهم إبليس وعلى من بعدهم " فصدّهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبّطوا في الظلمات " ، ومنذ ذلك الحين نزع الصـوفية في رياضاتهم إلى عدم الاهتمام بأحكام الشريعة معولين على تطهير القلوب وتزكية النفوس فتعاظم شأنهم في إرشاد الناس وتوجيههم خاصة في القرن السادس الهجري.
    فكان أن حدث صراع كبير مع هذا التيار من جانب العلماء كانت نتيجته المناظرة والحوار حينا والتصادم والاقتتال حينا آخر .
    ومن المعلوم لدينا أن عصر الجيلاني كان من بين العصور التي هبّت فيها رياح الابتداع من كل صوب، فانقسم الناس بذلك إلى طوائف شتى.
    و لما كان الشيخ عبد القادر داعـية ومرشدا له اتصال مباشر بالجماهير فقد ألزم نفسه تربيتهم وتوجيههم إلى طـريق الصواب، وذلك بالتصدي بكل قوّة لمن يقف في وجه الدعوة أو يسهم في إفساد المدعوين وخاصة العوام، ولعل من أكثر التيارات خطورة على المدعوين ووقوفا في وجه الدعوة تيار أهل الفساد والابتداع، لما كان لهم من تأثير سيئ على كـافة طبقات المجتمع وبخاصة العامة الذين التفوا حولهم، نتيجة لما ادعوه وما أظهروه من منكرات وشطحات في أقوالهم وأفعالهم ظنها السذج من العوام من صميم دعوة الإسلام وهديه.
    3 ـ الشيخ عبد القادر الجيلاني المولد والنشأة:
    هو الشيخ العالم الإمام الزاهد العارف بالله القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء محي الدين أبو محمد عبد القادر ابن أبي صالح الجيلي الشهير بالجيلاني الحنبلي،شيخ بغداد .
    كنيته أبو محمد ولد بجيلان عام 471هـ - 1077م ، في جبل كركوك منتهى نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما. دخل بغداد سنة 477هـ- 1095م،
    نشأته وطلبه للعلم:
    أقبل على العلم بعزيمة كبيرة وحرص على أن يجمع منه أكبر قدر يمكنه يسعفه مستقبلا في الدعوة إلى الله والإسهام في هداية الخلق. وبالرغم من اشتغاله بالعبادة وولعه بها، لم يتوان في تحصيل العلم، والحرص على تحصيله.
    قرأ العلوم السائدة في عصره على يد أساتذتها الكبار والمبرزين فيها، وحصلت له فيها اليد الطولى، تفقه الشيخ الجيلاني على مذهب الإمام أحمد رحمه الله على يد أبي سعيد المخرمي وأخذ إجازته منه، وجمع الجيلاني بين الرئاسة الدينية والرئاسة العلمية،. وكان من شيوخه المبرزين أبو الوفاء ابن عقيل، ومحمد بن الحسن الباقلاني، وأبو زكريا التبريزي، وأخذ الطريقة عن الشيخ أبي الخير حماد ابن مسلم الدباس، والخرقة من ابن سعد المبارك .
    وكان يتكلم على الناس بمدرسته ويعظهم فانتفعوا به انتفاعا كبيرا . وكان له سمت حسن وصمت،غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان فيه تزهد كثير وله أحوال صالحة ومكاشفات ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالا وأفعالا ومكاشفات فيها الكثير من المغالاة، وقد كان صالحا ورعا.

    4 ـ مؤلفات الشيخ عبد القادر الجيلاني:
    صنف الشيخ رحمه الله مصنفات كثيرة في الأصول والفروع وفي أهل الأحوال والحقائق منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط ومنها المصور ونذكر منها التي عرفت:
    إغاثة العارفين وغاية منى الواصلين
    أوراد الجيلاني
    آداب السلوك والتوصل إلى منازل الملوك
    تحفة المتقين وسبيل العارفين
    جلاء الخاطر في الباطن والظاهر
    حزب الرجاء والانتهاء
    الحزب الكبير
    دعاء البسملة
    الرسالة الغوثية: موجود منها نسخة في مكتبة الأوقاف ببغداد
    رسالة في الأسماء العظيمة للطريق إلى الله
    الغُنية لطالبي طريق الحق: وهو من أشهر كتب الشيخ في الأخلاق والآداب الإسلامية وهو جزءان .
    معراج لطيف المعاني
    يواقيت الحكم
    سر الأسرار في التصوف: وهو كتاب معروف وتوجد نسخة منه في المكتبة القادرية ببغداد وفي مكتبة جامعة اسطنبول.
    الطريق إلى الله: كتاب عن الخلوة والبيعة والأسماء السبعة.
    رسائل الشيخ عبد القادر: ويقع الكتاب في خمسة عشر رسالة بالفارسية يوجد نسخة في مكتبة جامعة اسطنبول .
    المواهب الرحمانية: ذكره الخوانساي في كتابه روضات الجنات.
    حزب عبد القادر الجيلاني: مخطوط توجد نسخة منه في مكتبة الأوقاف ببغداد.
    تنبيه الغبي إلى رؤية النبي: نسخة مخطوطة بمكتبة الفاتيكان بروما .
    الرد على الرافضة: نسخة مخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد .
    وصايا الشيخ عبد القادر: موجود في مكتبة فيض الله الشيخ مراد تحت رقم 251 .
    بهجة الأسرار: مواعظ للشيخ جمعها الشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن يوسف اللقمي .
    تفسير القران الكريم: في مكتبة الشيخ رشيد كرامي في طرابلس الشام.
    الدلائل القادرية .
    الحديقة المصطفوية: مطبوعة بالفارسية والأوردية.
    الحجة البيضاء .
    عمدة الصالحين في ترجمة غنية الصالحين- بالتركية.
    بشائر الخيرات .
    ورد الشيخ عبد القادر الجيلاني.
    كيمياء السعادة لمن أراد الحسنى وزيادة.
    المختصر في علم الدين - نسخة مصورة بالفوتوغراف.
    مجموعة خطب .
    الفتح الرباني والفيض الرحماني: وهو من كتب الشيخ المشهورة وهو عبارة عن مجالس للمريدين في الوعظ والإرشاد.
    فتوح الغيب: وهو عبارة عن مقالات للشيخ في العقائد والإرشاد ويتألف من ثمان وسبعين مقالة.
    الفيوضات الربانية: وهذا الكتاب ليس للشيخ ولكنه يحتوي على الكثير من أوراد وأدعية وأحزاب للشيخ .
    وهذه الكتب الأخيرة كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله، فيها أشياء حسنة كما ذكر فيها أحاديث ضعيفة وموضوعة وبالجملة فقد كان الشيخ من سادات المشايخ .
    قال عنه ابن الجوزي رحمه الله: وكان شيخه أبو سعيد المخرمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، فلما مات أبو سعيد فوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت، وتعصب في ذلك العوام" .
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع....دور الصوفية في الدعوة الشيخ عبد القادر الجيلاني أنموذجا   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:34

    5 ـ جهوده في الدعوة:
    أفنى الشيخ حياته كلها في الدعوة والتربية والتعليم،وقضى من عمره قرابة سبعين عاما يربي ويهذب، ويلح على الناس في عصره وبعد عصره أن يقبلوا على الله بقلوب ملؤها الثقة فيه، والرغبة فيما عنده ويبين أن ذلك هو طريق السعادة التي لا تزول لذتها عن القلوب، والفرحة التي لا تنغصها أحزان الدنيا ولو اجتمعت على قلب رجل، لأن الإنسان ما دام ملتجئا إلى جناب الله عز وجل لائذا بحماه، مخلصا له وجهه، فإن الشقاوة لا تعرف إلى قلبه سبيلا، ولا تجد إلى نفسه منفذا.
    وبرغم الظروف القاسية التي عاش فيها الشيخ، وبرغم البيئة المتهالكة على الدنيا ومغرياتها ـ التي اكتنفت بغداد ـ، فقد استطاع بقوة تأثيره، وعظيم همته، وإخلاصه الذي لم يكن له حد، أن يذلل هذه الظروف لتكون عنوانا له على تبليغ الدعوة البيئة، ولم يفارق الشيخ الحياة إلا بعد أن أرسى قواعد متينة لدعوته حيث ترك من بعده تلاميذ ومريدين حملوا لواء الدعوة وساروا بها في الآفاق وغزوا بها بلادا فنشروا فيها الإسلام، وأعلوا فيها كلمة الحق والدين .
    وهكذا فقد انتفع من جهود الشيخ عدد كبير من المسلمين، ولما ذاع صيته ضاقت المدرسة بالناس، فكان يجلس في الحديقة ثم وسعت بإضافة المنازل المجاورة لها، وبذل فيها الأغنياء أموالهم، وعمل فيها الفقراء بأنفسهم، وتم بناؤها عام 528هـ-1134م وانتهت إليه رئاسة العلم والتربية، والإصلاح والإرشاد، والدعوة إلى الله في العراق، وكان ذا هيبة عظيمة حتى قال فيه العلامة الشيخ الفاضل موفق الدين ابن قدامة صاحب المغني في الفقه الحنبلي، لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل الدين أكثر منه.
    وقالوا فيه أنه أول من نادى بالطرق الصوفية وأسسها، وفاق أهل زمانه في علوم الدين ووقع له القبول التام، بل وتأثر به العلماء الكبار كابن تيمية وقال عن طريقته؛ إنها الطريق الشرعية الصحيحة .
    توفي الشيخ عبد القادر عام 561هـ-1165م وله تسعون عاما ودفن بالمدرسة التي كانت له. وعند وفاته، سأله ولده عبد الجبار، ماذا يؤلمك في جسدك؟ فقال: جميع أعضائي تؤلمني إلا قلبي، فما به ألم، وهو صحيح مع الله عز وجل ثم أتاه الموت فكان يقول: استعنت بلا إله إلا الله سبحانه وتعالى وهو الحي الذي لا يموت، ولا يخشى الفوت، سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت لا إله إلا الله محمد رسول الله.
    قال الإمام الذهبي: ليس في كبار المشايخ من له أحوال وكرامات أكثر من الشيخ عبد القادر، لكن الكثير منها لا يصح، وفي بعض ذلك أشياء مستحيلة، وبالجملة فالشيح عبد القادر كبير الشأن وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه والله الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه .
    وككل داعية ومصلح يأمر وينهى ويعلم ويربي فقد كان للشيخ الجيلاني رحمه الله تلاميذ ومريدون تأثروا بفكره ودعوته، كما كان له معارضون في المنهج، فكتب عنه مؤيدوه كما كتب عنه مناوءوه فكتب عنه ابن الجوزي كتاب "ذم عبد القادر".
    كما كتب عنه إبراهيم بن علي القادري الشافعي الحلبي نحو ( 816_880ه ) كتاب "مناقب الشيخ عبد القادر" ، وكتاب بهجة الأسرار في مناقب سيدي عبد القادر، وهو كتاب كبير في ثلاث مجلدات في مناقب الشيخ عبد القادر جمعها من غير تحرير، ولا اهتمام أبو الحسن الشطنوفي المصري، فجاء فيها بالغث والسمين ً.
    قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: " كان الشيخ عبد القادر رحمه الله في عصره معظماً، يعظمه أكثر مشايخ الوقت من العلماء والزهاد، وله مناقب وكرامات كثيرة، ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفي المصري في أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، وكَتَبَ فيها الطم والرم، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
    وقد رأيتُ بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه فأنقل منه إلا ما كان مشهوراً معروفاً من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه الشطح، والطامات، والدعاوى، والكلام الباطل، ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر رحمه الله، ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوني قد ذكر أن الشطنوفي نفسه كان متهماً فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه ".
    6 ـ تأثيره في المدعوين:
    لقد كان للشيخ عبد القادر تأثير كبير في المدعوين أشاد به المعجبون واعترف به الخصوم وقد ذكر هذا التأثير الشيخ نفسه فقال: وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي، وازدحم علي الخلق حتى صار يحضر مجلسي نحو من سبعين ألفا . كما كان للشيخ تأثير كبير على نفوس المدعوين حتى أسلم بتأثيره كثير من اليهود والنصارى، وتاب على يديه كثير من العصاة، يقول الشيخ عمر الكيساني: لم تكن مجالس سيدنا الشيخ عبد القادر رضي الله عنه تخلو ممن يسلم من اليهود والنصارى، ولا ممن يتوب من قطاع الطريق، وقاتلي النفس، وغير ذلك من الفساق، ولا ممن يرجع عن معتقد سيء.
    ومما قاله في ذلك: أراد الله مني منفعة الخلق، فقد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة، وتاب على يدي أكثر من مائة ألف، وهذا خير كثير. وكان الشيخ عبد القادر يقول: أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري، كما كنت في الأول، لا أرى الخلق، ولا يرونني ثم يقول: أراد الله عز وجل مني منفعة الخلق فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى، وتاب على يدي العيارين والمسالحة أكثر من مائة ألف، وهذا خير كثير .
    وكان يحضر مجالسه في بعض الأحيان الخليفة والملوك والوزراء فيجلسون متأدبين خاشعين، أما العلماء والفقهاء فلا يأتي عليهم حصر، وقد عد في بعض مجالسه أربعمائة محبرة لأربعمائة كاتب كانوا يسجلون عنه العلم.
    6 ـ منهجه في الدعوة:
    كانت الفترة التي عاشها الشيخ عبد القادر في بغداد فترة حرجة إذ ظهر فيها التنافس جليا بين الخليفة والسلاطين من السلاجقة، فقد كان هؤلاء السلاطين يرغبون في بسط نفوذهم، وفرض سيطرتهم على أملاك الدولة العباسية التي شاخت وعجزت وأصبحت غير قادرة على حماية ممتلكاتها، بل حتى على المحافظة على هيبة خلفائها.
    وظهرت في الناس وثنية جديدة اتجهت همة الناس إلى الأمراء والحكام يلتمسون عندهم الرزق، ويرجون منهم النفع، ويدفعون بهم الضر، وأصبحت تلك هي عقيدة أكثر الناس، ونسوا أن الله هو الخالق الرازق، وأنه جل شأنه النافع الضار وأن جباه الحكام والسلاطين خاضعة لإرادته يعز من يشاء بعزته ويذل من يشاء بقدرته، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله: هكذا نشأت وثنية في عاصمة الإسلام، أصنامها الأمراء والموظفون، وهياكلها دور الحكومة واتجه الناس من عبادة الله وحده والتوكل عليه والسؤال منه إلى الالتجاء إلى الخلق والاعتماد عليهم، واستعطافهم وتملقهم .
    كان الشيخ رحمه الله قد اتخذ لنفسه منهجا رشيدا يعالج به العلل، ويصلح به الخلل، ويعلن فيه قوة الحق وقدرته على التصدي للظلم، ويظهر فيه ضعف الأمراء والحكام أمام عزة الإسلام، ويحقر به الدنيا وأربابها في مواجهة سعادة الآخرة ونعيمها وينتشل به هؤلاء الهلكى ويأخذ بأيديهم إلى السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة .
    وعزم الشيخ على القيام بهذا الدور الخطير، وهو يعلم أنه سيكون في واد والدنيا أمام عينيه تنطلق من واد غير هذا الوادي ولكنه عقد العزم وخطط للمهمة وتوكل على الله .
    7 ـ الموضوعات الرئيسة في منهجه الدعوي:
    لقد كان هذا المنهج يتلخص في جملة من العناصر التي تطرق لها الشيخ في حياته الدعوية ولعل من أهمها:
    1 ـ الدعوة إلى العمل وذم البطالة.
    ـ الدعوة لنصرة السنة ومحاربة الابتداع.
    ـ نقد المنكرات الشائعة في المجتمع.
    ـ توجيه الناس ودعوتهم إلى الدين الصحيح.
    1 ـ الدعوة إلى العمل وذم البطالة:
    الإسلام يدعو إلى العمل والجد، ويطالب المسلمين ببذل الجهد للتوسع في العمل والإنتاج وبقدر دعوته إلى العمل وحث المسلمين عليه بقدر ما كان يعني على العاطلين الذين لا يزاولون مهنة ولا يمتهنون حرفة لأنه يعتبر هؤلاء العاطلين عالة على المجتمع لا يسهمون في تحضيره ولا أثر لهم في تقويمه.
    وكانت البطالة قد انتشرت في عصر الشيخ الجيلاني وأصبح الناس يتملقون الخلفاء والسلاطين ليعيشوا على نوالهم، ويأكلون من فتات موائدهم، وأصبح المجتمع كله في حالة كساد وركود.
    السلاطين يغالون في جمع الضرائب من الناس ويتعسفون في معاملتهم وأحلاسهم يعيثون في الأرض فسادا معتمدين على ما يعود عليهم من هؤلاء السلاطين الظلمة، فتكالب الناس على أبوابهم وتركوا العمل، فأذلوا أنفسهم، وأهانوا كرامتهم، ولم يكن لهم إلا جمع حطام الدنيا، والتمتع بزخارفها مهما كانت سبل الوصول إلى ذلك.
    فقام الشيخ يدعو إلى العمل الجاد الذي يعود على الناس بالخير وعلى المجتمع بالرفاء والرخاء، وحذر من التوغل في طلب الدنيا، لأن ذلك يصرف الناس عن الآخرة ويلهيهم عن العبادة والطاعة، ودعا إلى أخذها برفق والاستماع بطيبتها في اتزان. لأن ذلك يحقق للنفس البشرية ميولها، ولا يتعارض مع طموحها.
    ونحن نلمح من خلال هذه الفترة من منهج الجيلاني في الدعوة إلى الله أنه لم يكن يؤمن بمبدأ المتصوفين الداعي إلى نبذ الدنيا والاتجاه بالكلية إلى طلب الآخرة لأنه كان يعلم أن هذا الطلب يتعارض مع الميول الفطرية في الإنسان المخلوق من الأرض مادة ومن السماء روحا ومعنى، ويعلم كذلك أن لكلا الأمرين مطالب لابد من تحقيقها وإلا فسدت الحياة وفسد تبعا لفسادها نظام الحياة.
    يقول في هذا المقام مخاطبا مريديه في المجلس الرابع والثلاثين من مجالسه الوعظية: " تقول أنا مستغن عن علم العلماء وتدعي العلم فأين العمل، ما تأثير هذه الدعوى...... إنما تتبين صحة دعواك للعلم بالعمل والإخلاص والصبر عند البلاء وأن لا تتغير ولا تجزع ولا تشكو إلى الخلق" .
    ويقول في المجلس السادس والأربعين من مجالسه الدعوية: "اعبدوا الله عز وجل واستعينوا على عبادته بكسب الحلال إن الله عز وجل يحب عبدا مؤمنا مطيعا، آكلا من حلاله يحب من يأكل بكسبه ويبغض من يأكل بنفاقه " .
    ويقول في المجلس القاني عشر: " المؤمن يعمل لدنياه وآخرته، يعمل لدنياه بلغته بقدر ما يحتاج إليه " هذا هو منهج الشيخ الجيلاني لا تفريط في الآخرة ولا إفراط في الدنيا
    2 ـ الدعوة لنصرة السنة ومحاربة الابتداع:
    وبالرغم من نزعة الجيلاني الصوفية العميقة إلا أنه كان صوفيا من طراز نادر فقد كان يعتقد بأن التصوف إذ لم يكن خاضعا في شكله وموضوعه خضوعا تاما للشريعة فإنه يكون نوعا من الزندقة، وضربا من الباطل، ولهذا كان يقول رحمه الله:"إن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون، وقد لعب بك الشيطان، وارجع إلى حكم الشرع، والزمه ودع عنك الهوى، لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة".
    ويقول:"كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة فطِرْ إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة وأدخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم واجعله وزيرك ومعلمك، دع يده تزينك وتمشطك، وتعرضك عليه هو الحاكم بين الأرواح المربي للمريدين".
    وقد بلغت شطحات الصوفية في عصره حدا تخوف منه الغزالي من قبله، وحذر من الوقوع فيه حيث بالغ المتصوفون في دعواهم وأعلنوا وصولهم إلى الحقيقة وأنهم بلغوا الحد الذي تسقط معه الفرائض عمن بلغه وبرزت فكرة وحدة الوجود ودبت الفوضى الدينية في خلواتهم وزواياهم فتصدى الجيلاني رحمه الله لهذا التيار العنيف وصمد في وجه هذا الإلحاد المخيف وأعلن في شجاعة وثقة كفر من ترك الفرائض مهما كانت منزلته فقال:" ترك العبادات المفروضات زندقة وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال".
    ويقول آمرا المدعوين بالبعد عن الضلال والابتداع: " تنهاهم عن الضلال والابتداع واتباع الهوى وموافقة النفس، وتأمرهم باتباع كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم".
    ويصور لنا ما يعانيه الإسلام من أهل البدع والضلال فيقول: " يا قوم الإسلام يبكي ويستغيث يده في رأسه من هؤلاء الفجار من هؤلاء الفساق من هؤلاء أهل البدع والضلال، من الظلمة من اللابسين ثياب الزور من المدعين ما ليس فيهم، انظر إلى من تقدمك وإلى من كان معك آمرا ناهيا آكلا شاربا كأن لم يكونوا ما أقسى قلبك "
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع....دور الصوفية في الدعوة الشيخ عبد القادر الجيلاني أنموذجا   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:36

    3 ـ نقد مظاهر المنكر والفساد في المجتمع:
    وكما خالف الجيلاني رحمه الله الصوفيين في هذا الاتجاه فإنه خالفهم كذلك في منهجهم وأساليبهم لقد كانت دعوى الصوفية إلى الانتباه إلى النفس، وترك الخلق دون توجيه أو إرشاد دعوى منافية لمبادئ الإسلام في نظر الشيخ ولهذا فإنه عارض بشدة مبدأهم القائل:"دع الخلق للخالق، أقام العباد فيما أراد" واتخذ لنفسه طريقة الرسل والمصلحين، فكان يعظ ويوجه، ويعلن الحرب على المخالفين، مهما كانت مكانتهم، وهذا هو الذي دعاه لأن ينتقد الأمراء والحكام لحيدتهم عن الحق، وينتقد العلماء لتكالبهم على المال والجاه، وتأييدهم للحكام بالحق وبالباطل.
    وكان ممن انتقدهم من الخلفاء المقتفي لأمر الله، وذلك حين ولى القاضي يحي بن سعيد بن المظفر، وكان مشهورا بالظلم فلما حضر الخليفة صلاة الجمعة قال الشيخ الجيلاني على المنبر وعلى رؤوس الأشهاد "وليت على المسلمين أظلم الظالمين فما جوابك غدا عند رب العالمين، أرحم الراحمين" عندئذ ارتعد الخليفة وبكى، وعزل القاضي.
    وكذلك كان يوجه نقده اللاذع للعلماء الرسميين الذين لزموا أبواب الأمراء، وطوعوا الدين وأولوه بما يتفق مع هوى الحكام الظالمين فيقول في المجلس الحادي والخمسين:"هذا النفاق إلى متى؟ يا علماء يا زهاد؟ كم تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا شهواتها ولذاتها؟ وأنتم أكثر الملوك في هذا الزمن ظلمة وخونة في مال الله عز وجل وفي عباده اللهم اكسر شوكة المنافقين واخذلهم أو تب عليهم واقمع الظلمة وطهر الأرض منهم أو اصلحهم"
    ثم يقول في المجلس الثاني والخمسين مخاطبا أحدهم:"أما تستحي؟ قد حملك حرصك على أنك تخدم الملوك، وتأكل الحرام، إلى متى تأكل الحرام وتخدم الملوك الذين تخدمهم؟ يزول ملكهم، وتتولى خدمة الحق عز وجل الذي لا يزول"، كن عاقلا واقنع باليسير من الدنيا حتى يأتيك الكثير من الآخرة" .
    ولقد كان الشيخ الجيلاني رحمه الله يقيم منهجه في الدعوة إلى الله على مناصرة السنة ومحاربة البدعة فقد كان كما قال ابن رجب صاحب طبقات ذيل الحنابلة، وهو يترجم له "وكان متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة، مبالغا في الرد على من خالفها، كما كان يقول عند وفاته، "أخبار الصفات تمر كما جاءت".
    وكانت الدعوة إلى الله على هذا النهج غايته، فلم يكن يرجو من ورائها جاها ولا سلطانا ولم يكن ينتظر من القيام بها إلا رضى الله عز وجل وفي ذلك يقول في المجلس التاسع والأربعين:"يا خلق الله، إني أطلب صلاحكم ومنفعتكم بالجملة أتمنى غلق أبواب النار وعدمها بالكلية وألا يدخلها أحد من خلق الله عز وجل وإنما تمنيت هذه الأمنية لاطلاعي على رحمة الله عز وجل وشفقته على خلقه قعودي لمصالح قلوبكم وتهذيبها لا لتغيير الكلام وتهذيبه لا تهربوا من خشونة كلامي فما رباني إلا الخشن في دين الله عز وجل كلامي خشن وطعمي خشن فمن هرب مني ومن أمثالي لا يفلح".
    وكان للدعاة في تصويره سمات يتميزون بها، وعلامات تدل على إخلاصهم وحبهم لإخوانهم المسلمين، فكان يصفهم بقوله:" كيف لا يرحمون العصاة، وهم موضع الرحمة، مقام التوبة والاعتذار العارف خلقه من أخلاق الحق عز وجل فهو يجتهد في تخليص العاصي من يد الشيطان والنفس والهوى" .
    ويقول في موضع آخر عن صفات الدعاة وإخلاصهم للدعوة:" المؤمن صادق في نصحه لأخيه المؤمن يبين له أشياء تخفى عليه تفرق له بين الحسنات والسيئات يعرف ما له وما عليه، سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي، إني ناصح ولا أريد على ذلك جزاء "
    4 ـ دعوة الناس إلى الدين الصحيح:
    لقد كان الشيخ رحمه الله مثابرا على دعوته وجهاده وتربية المدعوين وكان يشبه الداعية بالطبيب الذي يعالج المرضى ليصل بهم إلى بر السلامة والعافية فيقول:"العالم الرباني، وداعية الحق طبيب يأتيه المرضى من كل نوع فيداويهم مما فيهم من مادة الداء ويريهم طريق الشفاء ويتوجه بهم إلى الله تعالى".
    ولقد كان رحمه الله في دعوته يلمس القلوب برفق ويوجهها إلى بارئها في لطف، محاولا أن يسلخها عن كل ما تعلقت به من ماديات الحياة وزينتها ليربطها بخالقها ومبدعها ويمثل كل متعلقات القلب آلهة ومتى تعلق بها القلب أشرك بالله فيقول في المجلس الأربعون من مجالسه الوعظية: " الفقه في الدين سبب لمعرفة النفس من عرف ربه ـ عز وجل ـ عرف الأشياء كلها، به تصح له العبودية والعتق من عبودية غيره" .
    ويقول في المجلس الثالث والأربعون مخاطبا مدعويه ومريديه بقوله: " يا غلام إذا أردت الفلاح فخالف نفسك في موافقة ربك ـ عز وجل ـ، ووافقها في طاعته وخالفها في معصيته، نفسك حجابك عن معرفة الخلق والخلق حجابك عن معرفة الخالق ـ عز وجل ـ " .
    كما كان رحمه الله يستعمل الأسلوب المنطقي المعتمد على العقل وذلك لأن هذا الأسلوب هو الذي يستطيع أن يؤثر في ذوي العقول ويضع بين أيديهم الأدلة الموجبة للقبول فلا شك أن سلطان العقل أنفذ وأكثر ثباتا في القلوب وأطول استقرارا في النفوس فيقول:"انظر إلى من ينظر إليك وأقبل إلى من أقبل عليك وأحبب من يحبك واستجب إلى من يدعوك إليه وأعط يدك من يثبتك من سقطتك ويخرجك من ظلمات جهلك وينجيك من نزعات نفسك، ويغسلك من أنجاسك، وينظفك من أوساخك ويخلصك من جيفتك ومن هممك الردية، ونفسك الأماّرة بالسوء وأقرانك الضالين المضلين؛ شياطينك وهواك وأخلائك الجهال".
    كان يستعمل أسلوب الإغراء، حين يذكر الناس بأن الله يغار عليهم وأنه يريدهم لهذا فهو يصرفهم عن غيره جل شأنه ويبتليهم حتى يفرغهم لعبادته وحبه للمواجع كل ما يحصل لهم من البلاء إنما ليكون الواحد منهم أثيرا عند ربه لا يشركه غيره فيقول رحمه الله:"ما أكثر ما تقول: كل من أحبه لا تدوم صحبتي بحال بيننا إما بالغيبة أو الموت، أو العداوة وأنواع الأهوال بالتلف والفوات فيقال لك: أما تعلم يا محبوب الحق المغنى به المنظور إليه، المغار له وعليه أن الله غيور خلقك له وتروم أن تكون لغيره؟
    أما سمعت قوله عز وجلSadيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) المائدة 54. وقولهSadوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات 56.
    بهذا الأسلوب الأخاذ وبمعالجة النفوس بمثل هذه الكلمات المؤثرة استطاع الجيلاني رحمه الله أن يؤسس مدرسة ذات منهج رشيد انجذبت إليه القلوب وتأثرت به النفوس وقد بدا أثر هذا المنهج واضحا في عدد ضخم من الناس لا يحصيهم عدد إلا الله وصلحت به نفوسهم، وانقادوا له طائعين، وحملوا الأمانة بعد الشيخ الجيلاني بإخلاص، وساروا بها في الآفاق، لا يوليهم شيء عن غايتهم، ولا يردهم راد عن هدفهم، وقد كان الشيخ الجيلاني يتفقدهم، ويقوم بنفسه على تربيتهم وتهذيبهم، كما كان يجيز للدعوة منهم من يراه قادرا على تبليغها.
    لقد وجد هذا الداعية المصلح في زمنه المطلوب حيث تسلم الزعامة الدينية وعاش نحو قرن فردا فريدا في الدعوة إلى الله فالتف حوله الأتباع والمريدون فأثر فيهم تأثيرا لم يؤثر مثله عالم أو مصلح أو داعية من مدة طويلة.

    الخاتمة:
    هكذا كان الشيح الجيلاني في دعوته ومنهجه جامعا بين التصوف والعلم والعمل، فقد حاول إصلاح المجتمع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، رغم كل الصعوبات والعراقيل التي واجهته من مريديه مرة ومن مناوئيه مرة أخرى، فكان يحترق قلبه على ذلك.
    ورغم ذلك فقد استطاع الشيخ بما أوتي من علم غزير وغيرة على دين الله عز وجل، وحس مرهف وحرص على صلاح هذه الأمة وإصلاحها، وشعور بالمسؤولية والأمانة، أن يبلغ رسالة الإسلام فكانت تفيض من لسانه وقلبه كلمات مؤثرة هي آية في الإخلاص والصدق والحمية الدينية .
    تلقفها أعلام الدعوة وأئمة التربية من تلاميذه المخلصين في القرون التي تلته، فكان لهم دور كبير في المحافظة على روح الإسلام وهديه، ونشره في الأصقاع البعيدة التي استعصت على الجيوش المدججة أن تخضعها لحكم المسلمين.
    وهكذا استطاع الشيخ رحمة الله عليه أن يستمر في دعوته وجهاده أكثر من نصف قرن ويصمد في التبليغ في بيئة شاعت فيها الكثير من المنكرات، إضافة إلى الاستبداد السياسي، وما كان يحصل له هذا النفوذ والقبول إلا لإخلاصه في عمله الدعوي وزهده فيما كان يحرص عليه غيره من علماء البلاط وعامة المدعوين، بل وحرصه على هداية الخلق أجمعين إلى الإسلام الحنيف دين الله رب العالمين.
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 9) الطرق الصوفية في الجزائر أمام جدلية فاعلية حضورها الاجتماعي والسياسي.   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:40

    الطرق الصوفية في الجزائر أمام جدلية فاعلية حضورها الاجتماعي والسياسي:
    الموقف من الاحتلال الفرنسي نموذجا.
    أ. مقلاتي عبد الله
    جامعة ادرار

    الملخص:
    تمهيد:
    عرفت ظاهرة التصوف انتشارا واسعا في الجزائر نتيجة عوامل داخلية ذاتية وأخرى خارجية، وتحتاج هذه الظاهرة إلى الدراسة والتمحيص، خاصة إذا ما عرفنا أن تأثيرها كان بالغا على المجتمع وان دورها كان فعالا في مقاومة الاحتلال الفرنسي، وفي الوقت ذاته أثرت بعض الطرق الصوفية سلبا على المجتمع الجزائري ووقفت موقفا مسالما أو مؤازرا للاستعمار الفرنسي، وقد حاول الكتاب الفرنسيون الذين أولوا الظاهرة أهمية بالغة تعميم هذا الموقف السلبي على الطرق الصوفية جميعها في حين أن الطرق الصوفية والزوايا حملت لواء الجهاد ونهضت بالكثير من الأعباء الاجتماعية، وفي بحثنا هذا سنحاول الوقوف على أبعاد الظاهرة من جوانبها المختلفة، ونتعرف على حقيقة الدور الاجتماعي والسياسي الذي لعبته الطرق الصوفية في الجزائر، وذلك على ضوء دراسة موقفها من الاستعمار الفرنسي .
    أولا: الطرق الصوفية في الجزائر. النشأة والخصائص:
    عرف التصوف قديما بأنه ظاهرة دينية واجتماعية تعني إقبال الناس على ترف الحياة والتمسك بالعبادات ومجاهدة النفس ومحاولة إدراك الحقيقة، وقد ظهر التصوف أولا في بلاد المشرق العربي ثم امتد الى المغرب الاسلامي، ويمكننا القول ان فترة التواجد العثماني كانت العصر الذهبي لنشاط الطرق الصوفية في الجزائر .
    وقد اختلف أهل التصوف في الجزائر حول السبل المؤدية الى التصوف وحقيقته، فكان موقف بعضهم معتدلا بالقول أن التصوف هو القيام بالواجبات الشرعية ومعرفة الله وشكره باستمرار، وان يمارس المتصوف ذلك في خلوته بحسب قدرته وبإتقان وخشوع، وأمام هذا الرأي المعتدل يزعم بعض أدعياء التصوف إن المتصوف عليه أن يمارس شعائره وطقوسه كاملة، وان ويبالغ في الانقطاع والانعزال والتضحية ويمارس طقوس الرقص والتضارب، ويستفيض في قراءة الأدعية والأوراد، وهؤلاء يمكن تسميتهم دراويش بدل متصوفة، أما المرابطين الذين يمارسون تعاليمهم الدينية بتقشف بهدف الصلاح والتقرب إلى الله فسموا بالرجال الصالحين وبالمرابطين، وهم ليسوا رجال الطرق الصوفية، وعرف في الجزائر صنف آخر هم الأشراف الذين ينتسبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق ابنته فاطمة الزهراء، وكانوا يستقطبون الناس إليهم ويعلمونهم الدين ويظهرون لهم الكرامات وخوارق العادات، وبعض الأشراف كانوا مسالمين في حين ان الكثير منهم اتخذ الجهاد وسيلة لتحقيق مآربه .
    وقد ناهز عدد الطرق الصوفية في الجزائر ستة وعشرين طريقة، منها أربعة أنشأت في العهد الاستعماري كالسنوسية والعليوية، والباقي كان موجودا منذ العهد العثماني، وبعضها مؤسس بالجزائر كالرحمانية والتجانية...، والبعض الأخر في المغرب كالطيبية والعيسوية والدرقاوية...، ومنها ما هو مؤسس في المشرق كالقادرية...، واهم الطرق الصوفية التي ذاع صيتها في الجزائر نذكر ما يلي:
    1 ـ الطريقة القادرية:
    تنسب الى الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفي في بغداد عام 561 هـ، انشأت عدة فروع للطريقة في الجزائر أهمها الفرع الذي اسسه الشيخ مصطفى بن المختار الغريسي عام 1200هـ، وقد كان محي الدين شيخا للطريقة في اريس وكان الأمير عبد القادر قادريا ولكنه لم يعلن المقاومة باسم طريقته، اشتهرت هذه الطريقة بمناوئتها للاستعمار الفرنسي وقد استمرت القادرية في المقاومة وقدمت رموزا من الأبطال الأسطوريين، ومنهم سيدي محمد بن عودة في زمورة، وابن النحال في قالمة وبوتليليس في وهران، وامتد نفوذ الطريقة إلى الصحراء ففي الشرق انشأت فروع للقادرية في الوادي " زاوية عميش " والرويسات وفي نفطة التونسية، وفي الجنوب الغربيانشأ بلعربي بن قدور زاوية في تيهرت، وانشأت زاوية اخرى في افلو، ومن الصحراء الى غرب افريقيا امتدت الطريقة القادرية حيث اشتهرت بمقاومتها للفرنسيين هناك، فثار في وجههم الشيخ المختار الكنتي وأبنائه، ثم الشيخ ابن عابدين الكنتي في توات والازواد ، والشيخ المختار الكنتي كان له أتباع كثر في افريقيا وتصدى بشجاعة للتسرب الأجنبي، ونظرا للنفوذ الكبير للقادرية في الصحراء خططت الإدارة الفرنسية لاحتوائها، اذ تمكنت مثلا من تدجين مقدم ورقلة الذي رافق "فلامان" في رحلة استكشافه لتديكلت عام 1899 واستطاع الضابط " دي يبورتر" ان يجعل من مقدم سوف الهاشمي بن ابراهيم نصيرا لفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. وتقدر المصادر الفرنسية أتباع الطريقة القادرية خلال عام 1897 ب 24578 اخوانيا ينتسبون إلى ثلاث وثلاثون زاوية عبر أنحاء الوطن.
    الطريقة الشاذلية:
    تنسب إلى الشيخ آبي الحسن الشاذلي، وانتشرت في المشرق والمغرب، وكان لها حضور متميز في الجزائر بفضل دعوتها للأخلاق الفاضلة وتركيزها على التوحيد، دخلت تلمسان على يد الولي الصالح شعيب بن حسين الاندلسي ومنها انتشرت فروعها المختلفة في الجزائر ومنها:
    ـ الزروقية: نسبة للشيخ احمد زروق البرنوسي الفاسي المتوفي عام 899 هـ وقد كان من اقطابها في الجزائر عبد الرحمان الاخضري وعبد الكريم الفكون .
    ـ العيساوية: نسبة للشيخ محمد بن عيسى، معروفة بطابعها الشعبي التهريجي في الجزائر
    ـ الحنصالية: مؤسسها سعيد بن يوسف الحنصالي المتوفي عام 1702 م ادخلها الى الجزائر الشيخ سعدون الفرجيوي واشتهرت في عهد خليفته احمد الزواوي
    ـ الكرزازية: تنتشر في الجنوب الغربي الجزائري اسسها احمد بن موسى الحسني المتوفى عام 1608 م
    ـ الزيانية: مقرها بالقنادسة مؤسسها محمد بن عبد الرحمان بن بوزيان المتوفى عام 1733 وتنسب اليها زاوية رقان الشاذلة الذائعة النفوذ وان كان شيخها مولاي الحسن بن عبد غالقادر يجمع بين عدة طرق كالقادرية والتجانية
    ـ الطيبية: يرجع تاسيسها الى ادريس الاكبر لها عدة زوايا في غرب البلاد وقد لعبت دورا سياسيا بارزا في المغرب والجزائر ...الخ،
    ومن أشهر شيوخ الشاذلية في المرحلة المدروسة الشيخ الموسوم صاحب زاوية قصر البوخاري، والذي تفرغ للتعليم فيها منذ عام 1865، وسجلت عنه مواقف مناهضة للثورات الشعبية ومذمة للاشتغال بالسياسة، وكذلك الشيخ بلقاسم بن الحاج صاحب زاوية اليدوغ بعنابة الذي اشتهر بدروشته، وقد قدر اتباع الشاذلية في الجزائر بنحو 14206 .
    3 ـ الطريقة الدرقاوية:
    اصل الطريقة شذلي ومؤسسها الشيخ محمد العربي الدرقاوي المتوفي عام 1823، خالفت تعاليم الشاذلية في التسامح والحياد ازاء السياسة والمهادنة، واعطت دفعا جديدا للشاذلية بفضل حيويتها، لها عدة فروع منتشرة في الجزائر منها:
    ـ الهبرية: ولدت نتيجة حركة نشطة في الجماعات الصوفية في مناطق غرب الوطن وخاصة في مدغرة وسعيدة ومعسكر وتيهرت، ومن منشطيها الاساسيين محمد الهبري المتوفي عام 1901 وصاحب زاوية وادي كيس في بني سناسن
    المدنية: تاسست في طرابلس وادخلها للجزائر الحاج موسى الدرقاوي الذي قاد عدة ثورات ضد الفرنسيين بدء من عام 1833 والى غاية استشهاده عام 1849
    ـ العليوية: تنسب للشيخ احمد بن مصطفى بن عليوة المستغانمي، وهي طريقة متأخرة الظهور وتعرف بعصريتها وبمواقفها المتناقضة احيانا من الاستعمار الفرنسي .
    الطريقة الرحمانية:
    أسسها الشيخ محمد بن عبد الرحمان الجرجري المتوفي سنة 1793 م، انتشرت بشكل واسع في عهد خليفة مؤسس الطريقة علي بن عيسى المغربي في منطقة زواوة والزيبان وشرق الجزائر، وقد تحالفت مع الطريقة القادرية على مجاهدة المحتل الفرنسي عام 1830 وارتبطت ارتباطا وثيقا مع الأمير عبد القادر، ثم خاضت مقاومة زواوة ببطولة باسلة الى غاية نفي زعيمها الحاج عمر عام 1857 كما وجهت وشاركت عدة ثورات شعبية أخرى يأتي على راسها ثورة عام 1871، وقد تولدت عنها عدة فروع خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ففي زواوة انتشرت للرحمانية عدة فروع اثر تحطيم مقر الزاوية إلام بايت اسماعيل، بعضها ينتسب للشيخ الحاج عمر الذي أسس فرعا له في منفاه بالكاف التونسية، والبعض الأخر ينتسب للشيخ محمد الجعدي الذي اختاره الإخوان شيخا للطريقة، وأمام سوء ادارة هذا الأخير للطريقة انتخب الشيخ محمد امزيان الحداد شيخا للطريقة مع الاستقرار في صدوق، وفي عهده اشتهرت الزاوية وذاع صيتها ولكنه لم يستطع توحيد جميع فروعها في زواوة، حيث ظلت منطقة المعاتقة ونواحيها موالية للشيخ الجعدي. واشتهرت في المرحلة المدروسة فروع الرحمانية في قسنطينة والخنقة والهامل وطولقة وسوف وهي فروع بعيدة عن المركز،فقد عين مؤسس الطريقة محمد بن عبد الرحمان باش تارزي مقدما في قسنطينة، وورث هذا الشيخ بركة الطريقة لابنه مصطفى واشتهرت عائلة باش تارزي فترة طويلة في قسنطينة، وقد ورثت هذه العائلة الطريقة لعالم من طولقة هو الشيخ محمد بن عزوز البرجي الذي أصبح مقدما للرحمانية في كامل الجنوب كما كان له فضل تأسيس فرع لها في نفطة التونسية بعد ان نفته فرنسا، وقبل وفاته عين مقدمين من تلامذته اشتهروا بالجهاد وهم: علي بن عمر شيخ طولقة والمختار بن خليفة في أولاد جلال، وومبارك بن خويدم في والصادق بن الحاج في الاوراس وعبد الحفيظ في خنقة سيدي ناجي. وفي عهد خلافة ابنه مصطفى ابن عزوز انشأ فرعان آخران هما: فرع الهامل ببوسعادة على يد الشيخ محمد بن بلقاسم، وفرع سوف على يد سالم بن محمد الاعرج.
    5 ـ الطريقة التجانية:
    تنسب الى الشيخ احمد التجاني الذي تجول بين عدة طرق وانتهى الى طريقته الخاصة، وذلك عندما كان في عزلته الخاصة ببوسمغون ، ظهرت الطريقة بعين ماضي في الجزائر واشتهرت في المغرب حيث هرب التجاني بطريقته خوفا من الأتراك، وعم نفوذها غرب إفريقيا والصحراء، انتشرت بواسطة التعليم التجارة، وعرفت بتسامحها واعتدالها، وقد عارضت سياسة الأمير عبد القادر ودخلت في خدمة الفرنسيين الذين قدموا لها المساعدات الأزمة لمد نفوذها في إفريقيا، تولى ابني التجاني محمد الكبير ومحمد الصغير إدارة فرع الزاوية بعين ماضي وتوفي الأول وهو يحارب باي وهران، في حين قرر الآخر أن يسلك خيار المهادنة، وكانت بركة الطريقة في يد الحاج علي بتماسين الذي ادار الطريقة بحكمة في الجانب الشرقي من صحراء الجزائر، وقد هللت الطريقة لسقوط الاتراك اعدائها، واستعدت للدخول في وفاق مع الفرنسيين لخدمة اهداف الطريقة، ومن اجل ذلك وقفت موقفا مناؤئا من الامير عبد القادر الذي حاول ان يكسب ودها ويجندها لخدمة المقاومة كما سياتي توضيحه، ويقدر الإحصاء الرسمي للإدارة الفرنسية عدد أتباع الطريقة ب 11982 فردا، ويعطي إحصاء عام 1897 عددا أضخم قدر ب 25323 فردا، مما يدل على انتشار الطريقة الواسع في نهاية القرن التاسع عشر .
    الطريقة السنوسية
    تنسب هذه الطريقة التي أسست بليبا وذاع صيتها في المغرب العربي وافريقيا الى العالم الجزائري محمد بن علي المستغانمي، وهو عالم جمع بين علوم الشريعة وعلوم الحقيقة، وزار كثيرا من البلدان واستقر به الحال في برقة الليبية حيث انشأ زاوية لنشر الطريقة، وما لبث ان عمت السنوسية ربوع ليبيا وأصبحت تلعب دورا سياسيا بإشادتها لنظام حكم سياسي وعسكري أضفى على طابعها الديني خصوصية مميزة، كما أنها عرفت بمواقفها الجهادية المعادية للاحتلال الأجنبي ومنها الفرنسي في الجزائر وافريقيا، وكانت تمد الدعم لكثير من رجال المقاومة ومنهم الثائر محمد بن عبد الله الذي التقى بالسنوسي في مكة، ونسق معه الدخول إلى الجزائر واعلان الثورة، كما تتحدث المصادر الفرنسية عن شخصية تواتية عضدت السنوسية في الجنوب الليبي، وهو المقدم احمد التواتي الذي لا نعرف عن دوره الكير، وقد كان يدعوا الى الجهاد ويجند الإتباع في مرزوق وتوات وبلاد التوارق، وفي بداية القرن العشرين كان للسنوسية الدور الأساسي في تثوير كثير من المقاومات الشعبية في صحراء الجزائر خاصة ثورات التوارق وتوات أثناء الحرب العالمية الأولى، ويبدوا ان نفوذ السنوسية ارتبط بمنطقة الصحراء المقاومة في حين انه لم يكن لها حضور قوي بمناطق الشمال، حيث لم تؤسس سوى زاوية واحدة لهذه الطريقة هي الزاوية الطكوكية في نواحي مستغانم والتي أنشأت عام 1859 من قبل الشيخ طكوك الشارف، وارتبطت بالزاوية إلام في برقة وكانت محل مراقبة الفرنسيين باستمرار إلى أن داهموها عام 1876 واعتقلوا شيخها .


    عدل سابقا من قبل chikh في الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:50 عدل 1 مرات
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع....الطرق الصوفية في الجزائر أمام جدلية فاعلية حضورها الاجتماعي   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:44

    ثانيا: الدور الاجتماعي والسياسي للطرق الصوفية:
    لقد اقبل الجزائريون بشكل ملفت على دخول الطرق الصوفية، فاحتضنها المثقف والتاجر والحاكم، وذلك قبل قدوم الأتراك وخلال مرحلة حكمهم للجزائر خصوصا، حيث شجع الحكام الأتراك هذه الطرق لأهداف سياسية، وقد نهضت الطرق الصوفية وزواياها بدور اجتماعي وسياسي رائد، كما أكدت حضورها القوي في مواجهة الاحتلال الأجنبي وخاصة الاحتلال الفرنسي.
    إن ما يجمع الطرق الصوفية على اختلافها هي تلك الخصائص والأهداف النبيلة التي تكسبها بعدا اجتماعيا وتضامنيا وإنسانيا، فهي قد جمعت فئات الناس المختلفة ووحدت بينها عبر مراحل تاريخية طويلة، وبثت فيها قيم التضامن والتسامح وحب الخير،
    وقد اتسمت الطرق الصوفية بالمرونة في مبادئها وتعاليمها حتى يتسنى لها التلائم مع أفك ار الناس في كل مكان وزمان واستقطابهم كأتباع لها، كما اتسمت بجمعها بين علمي الظاهر والباطن الأمر الذي مكنها من الموازنة بين الحياة المادية والحياة الروحية .
    ولعبت الطرق الصوفية دورا مهما في التربية والتعليم، وتلقين كتاب الله والسنة النبوية لفئات عريضة من المجتمع، ونهضت بذلك بمهمة الدولة المركزية التي كانت منشغلة بمواجهة القوى الأوربية الغازية، وامتد نشاطها إلى نشر الإسلام بالطرق السلمية بين الشعوب الوثنية والى الجهاد ضد الغزاة وحركات التبشير والتنصير .
    وقد عزا كثير من الباحثين المقاومة الشديدة التي واجهت الجيش الفرنسي إلى انتماء الناس الى هذه الطرق الصوفية التي كانت تحمس للجهاد وتدعوا للمقاومة، وفي هذا الشأن يقول الباحث الفرنسي أشيل روبير: "إن كل سكان الجزائر كانوا ينتمون الى الطرق الصوفية،وهم بذلك يشكلون جيشا صلبا متدربا بمهارة، مستعدا دائما للدفاع عن البلاد ضد الأوربيين، وقد اهتم الكتاب الفرنسيون بالبحث في شؤون الطرق الصوفية قصد التعرف على المجتمع الجزائري وإخضاعه للسياسة الفرنسية، واهم هؤلاء الكتاب السيد لويس رين الذي ألف عدة كتب في الشؤون الجزائرية والذي كان مستشارا للحكومة العامة،فقد ألف كتابا مهما حول الموضوع عنوانه "مرابطون وإخوان" نشره عام 1884، وذكر فيه أن عدد الزوايا المتواجدة في الجزائر تقدر ب355 زاوية، وان هناك 1955 مقدما و167019 من الإخوان أو المريدين المعروفين لدى الإدارة الفرنسية، وهم منظمون ومنضبطون تحت لواء هذه الطرق الصوفية، وقد حقق تماسك هذه الفرق فيما بينها الى خلق جبهة موحدة كما كان لكل طريقة وزنها وخطرها، خاصة اذا كان شيخها مشهورا وسمعتها قوية ولها الكثير من الأتباع والأموال، فقد كانت تخيف الحكام سواء العثمانيين او الفرنسيين، مثلما كان الحال بالنسبة للطريقة الدرقاوية التي ثار زعيمها ابن الاحرش على العثمانيين، وثورة التجانية وهجومها على مدينة معسكر وتمردها في عين ماضي، وهذه الطرق الصوفية هي التي واجهت الاحتلال الفرنسي، وتولت راية الجهاد بعد استسلام السلطة المركزية وهزيمة جيشها الرسمي، فكان الحاج سيدي السعدي في المتيجة والحاج محي الدين وابنه الأمير عبد القادر في الغرب الجزائري ... وأسماء أخرى من شيوخ الصوفية قادوا العديد من الثورات الشعبية
    إن الاحتلال الفرنسي تفطن لأهمية دور هذه الطرق الصوفية في وقت متأخر، وذلك بعد أن ألف الضابط "دي نوفو" كتابه " الطرق الصوفية عند مسلمي الجزائر" فوضعت الإدارة الفرنسية مخططا لتشتيتها وضرب صفوف الطريقة من الداخل، واستعمال العصا والجزرة معا، وسياسة الإغراء والقوة، وفي هذا الإطار اجتهدت في تفتيت وحدة الطريقة الرحمانية بعد النجاح الذي حققته في ثورة 1871، وهو المصير ذاته الذي عرفته القادرية والدرقاوية، وقد أعلن في عام 1897 أن الطريقة الرحمانية مزقت إلى خمس وعشرين فرعا لا يعترف احدها بالآخر، وان الطرقة الدرقاوية تفرعت الى ثمانية فروع والقادرية إلى ستة فروع على الأقل وكان للتجانية فرعان متنافسان في الجزائر وثالث في المغرب
    ثالثا: موقف الطرق الصوفية من الاحتلال الفرنسي .
    إن قيادة المرابطين والطرق الصوفية نهضت بدور ريادي في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وذلك اثر في الوقت الذي تخاذلت فيه السلطات الزمنية الممثلة في الزعماء العثمانيين وحلفائهم، وقد كان الواجب الديني يحث على رفع راية الجهاد ضد الغزاة، كما أن تمسك السكان بالطرق الصوفية كان يدفع بهذه الأخيرة لان تتحمل مسؤوليتها، وإذا كان المجتمع الحضري والطبقة السياسية قد تخلوا عن خيار جهاد الفرنسيين وخنعوا للفرنسيين باستثناء احمد باي فان الريف الجزائري الذي كان مواليا للطرق الصوفية هو الذي تولى مهمة الدفاع عن الدين والعرض ورفع راية الجهاد في وجه المستعمر، وكان طبيعيا من خلال تتبع سلسلة المقاومات الشعبية ان نجد قادتها ومحركيها الأساسيين هم شيوخ وأتباع الطرق الصوفية والمرابطون،
    لقد هب رجال الطرق الصوفية لمواجهة الفرنسيين منذ الأيام الأولى لسقوط مدينة الجزائر، وجندوا ورائهم سكان منطقة المتيجة لمحاصرة الجيش الفرنسي وإرغامه على الخروج من المدينة، واهم شخصية صوفية لعبت دورا مهما في قيادة الثورة هي شخصية الحاج سيدي السسعدي، والذي كان قيما على زاوية عائلته بمدينة الجزائر، وقد فاجأه نبأ الاحتلال وكان خارج المدينة فعزم على تنظيم ثورة عارمة جند لها شيوخ الزوايا ورؤساء القبائل، وعلى الرغم من كفائته وخبرته فقد كان طبيعيا ان يستغل الرؤى الصوفية، فقد أنبأ أتباعه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطاه في منامه راية الجهاد واخبره بقرب انهزام الفرنسيين وخروجهم من الجزائر ، وكانت هذه حجة قوية لإقناع السكان وتجنيدهم للجهاد تحت رايته، وقد ربط الاتصال بالزعماء الدينيين، فأزره شيخ زاوية المعاتقة علي بن موسى وشيخ قبيلة فليسة محمد ابن زعموم، وسانده بعد فترة أغا العرب محي الدين ابن المبارك شيخ زاوية القليعة، واستطاعت مقاومة المتيجة أن تحقق نجاحات عسكرية باهرة وان تفرض حصارا محكما على الفرنسيين داخل أسوار مدينة الجزائر، وان كانت القوات الفرنسية استطاعت ان تلحق الهزيمة بالثوار إلا أن اغلب الزعامات التحقت بصف مقاومة الامير عبد القادر خلال سنتي 1833 ـ 1834، وتقوت أكثر عندما عين الأمير الحاج السعدي خليفة له على منطقتي المتيجة وزواوة، حيث واصلت محاصرتها للجيش الفرنسي وجنت ورائها الجماهير الواسعة وضربت على أيدي الزعماء السياسيين الذين قبلوا بمناصب العدو .
    وقد كان مبدأ الجهاد الذي نهض به محي الدين وابنه عبد القادر يستند الى الدفاع عن دار الإسلام ومجاهدة الكفار، وكان لابد لهما من سلطة ليجيبهما الناس، إن الأمير عبد القادر لم يكن من رجال السلطة العثمانية ولم يكن زعيم قبيلة كبيرة تكسبه سلطة وإنما بويع أميرا للمؤمنيين كون والده كان شيخا لطريقة صوفية هي الطريقة القادرية وكان يحظى بمكانة وسلطة روحية قوية، أهلته لان يقصده زعماء القبائل ليقودهم في الجهاد بعد أن تخلى الأتراك عن مجاهدة الغزاة الفرنسيين، غير أن الأمير عبد القادر تصرف بعد مبايعته كرئيس دولة وليس مجرد شيخ زاوية وأراد أن يوحد الشعب الجزائري ويشيد مؤسسات الدولة التي تحتضن مريدي الطرق الصوفية وغيرهم، واضطر لان يحارب بعض الطرق الصوفية وأرغمها على الخضوع لدولته وليس لطريقته وعاقبهم على تعاونهم مع العدو كما فعل مع التجانية مثلا، وفي الوقت ذاته وظف الأمير عبدالقادر الطرقية لخدمة مشروع الدولة ومقاومة المحتل ونجح في ذلك الى حد بعيد . ومثال تحالفه مع شيوخ الرحمانية في زواوة خير دليل على ذلك
    وبعد سقوط قسنطينة عام 1837 سيظهر بشكل جلي تخاذل السلطة الزمنية في أمثال المقرانيين وأولاد بن قانة ونهوض الطرق الصوفية بمهمة المقاومة، ولاسيما الطريقة الرحمانية التي تحالفت مع الأمير عبد القادر الى غاية انهزامه عام 1847 وتولت بعده حمل لواء المقاومة في منطقة القبائل، إذ شاركت زوايا الطريقة في مختلف الثورات التي عرفتها زواوة بدء بثورة بومعزة الى ثورة الشريف بوبغلة الى ثورة لاللا فاطمة نسومر، وكان دورها أبرز في انتفاضة عام 1871 حيث أعطى الشيخ الحداد لثورة المقراني بعدا روحيا وعضدها بأتباعه الكثيريين، وساهمت فروع الطريقة الاخرى في الثورات الشعبية، فخاض مصطفى ابن عزوز وأبنائه ثورات متواصلة ضد الاحتلال الفرنسي لبسكرة، ونظم الشيخ محمد امزيان ثورة الزعاطشة الباسلة عام 1849، وقاد الصادق بن الحاج ثورة في الاوراس، والشيخ عبد الحفيظ ثورة في خنقة سيدي ناجي... .
    وكان للطرقة الدرقاوية دور مهم في رفع لواء المقاومة، وذلك على الرغم من تردد شيخها العربي بن عطية ومسالمته للفرنسيين، فقد سجل الشيخ موسى الدرقاوي مواقف بطولية وهو يجاهد بنواحي الغرب والوسط الجزائري الى ان استقر به المقام بواحة الزعاطشة التي استشهد بها عام 1849 .
    وأما الطريقة الطيبية التي كانت تنتشر في الغرب الجزائري فقد اسهمت في الجهاد بفضل الشريف بومعزة الذي قاد ثورة عارمة بالشلف عام 1948، وكذا بفضل ثورة بوعمامة بالجنوب الوهراني، واعتبرت الطريقة السنوسية من اخطر الطرق الصوفية الثائرة على الفرنسيين خاصة في الصحراء، وقد ظهرت الطريقة في ليبيا وامتد تأثيرها الى الجزائر نهاية القرن التاسع عشر، وأزرت ثورة شريف ورقلة محمد بن عبد الله وثورة ناصر ابن شهرة، وقدمت الدعم لثورة الهقار خلال الحرب العالمية الأولى وأصبح مقدموها يجوبون الصحراء ويبعثون الرعب في صفوف الفرنسيين.
    ونسجل عموما أن المواطن الذي خاب أمله في الزعماء السياسيين بدأ يبحث عن منقذ لبلاده، ووجد بعد عام 1847 في الطرق الصوفية خير منقذ فارتمى في أحضان الصوفية ليعيش في عالم الروح وعالم التخيلات هروبا من الواقع المر الذي أصبح علية حال البلاد، وهذا ما يفسر تعلق المواطنيين بالطرق الصوفية عند اغلب الباحثين وأتباعهم لتعاليمها ومطالبها مذعنين حتى عنهم التعبير الشهير "ما يأمرني به الشيخ اعمله، ولو أمرني بالإفطار في رمضان لفطرت " ولكن الخلاص المأمول لم يتحقق لان شيوخ الطرق الصوفية والمرابطون والإشراف فشلوا في مقاومتهم الواحد تلو الاخر، من بومعزة الى بوبغلة إلى لالا فاطمة نسومر واو لائك الذين تسموا محمد بن عباله وهم كثيرون، وعلى الرغم من ذلك بقي تمسك المواطنيين بالطرق الصوفية قائما، وقد عزى الباحثون ذلك إلى التأثير البالغ الذي كان يفرضه المتصوفة والى اليأس الذي أصبح عليه حال المواطنيين، وفي هذه الظرفية استطاعت الإدارة الفرنسية أن تنفذ مخططاتها بتدجين بعض الطرق الصوفية وكسبها إلى صفها لتصبح أداة تفتيت للصف وجهاز استغلالي يعمل في ركاب الاستعمار، وهذا الامر حول الطرق الصوفية من مؤسسات مقاومة إلى أداة للإدارة الفرنسية في السيطرة على السكان وميع مهمتها لتغرق في ظاهرة الشعوذة والدروشة .

    الخاتمة:
    وعلى ضوء ما سبق عرضه نخلص إلى تأكيد النتائج الآتية:
    ـ ان الجزائر كغيرها من شعوب العالم الاسلامي عايشت بتفاعل ظاهرة التصوف، واسهم علمائها في نشر مبادئها وأفكارها وممارساتها التي خلفت اثأرا ايجابية على لحمة وتماسك المجتمع، وبفضل جهودهم انتشرت مختلف الطرق الصوفية عبر ربوع الوطن.
    ـ لقد أكدت الطرق الصوفية في حضورها الفعال في مختلف مجالات الحياة، ونهضت بكثير الأعباء الاجتماعية والدينية، ومنها التعليم والتثقيف، ونشر الأخلاق الفاضلة وتوحيد كلمة المسلمين، ونشر الإسلام ومواجهة الأخطار الأجنبية المحدقة ببلاد المسلمين كالغزو والتنصير والتبشير ...الخ .
    ـ إن اغلب الطرق الصوفية رفعت راية الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، ووحدت كلمتها على مواجهته بمختلف السبل الممكنة، ونجحت بعض الطرق الصوفية في تحقيق نتائج باهرة في هذا المجال كالقادرية والرحمانية والسنوسية، الأمر الذي دفع الإدارة الفرنسية إلى عدم الاستهانة بقوة هذه المؤسسات الدينية فعملت على تدجينها وتشويه صورتها، وان كانت حققت بعض النجاح إلا إن الطرق الصوفية على اختلاف مواقفها كان لها دور بارز في المقاومة الثقافية ومحاربة الإدماج والمحافظة على قيم المجتمع وشخصيته المسلمة، وذلك عن طريق التعليم والتضامن الاجتماعي والسياسي.



    ـ قائمة المصادر والمراجع:
    أ ـ باللغة العربية:
    ـ ابو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 4، ط1، دار الغرب الاسلامي، بيروت، 1998.
    ـ ابو القاسم سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية، ج1، دار الغرب الاسلامي، بيروت، 1992،
    ـ جمال قنان: قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، 1994،
    ـ صلاح مؤيد العقبي: الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر، تاريخها ونشاطها، دار البراق، بيروت ـ لبنان، 2002،
    ـ عبد الله عبد الرزاق ابراهيم: اضواء على الطرق الصوفية في القارة الافريقية، ط2، المطبعة الفنية، الجزائر، 1990،
    ـ محمد بن بلقاسم الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، ط1،مطبعة فونتانة، الجزائر، 1906،ج2 ـ يحي بوعزيز: ثورات الجزائر خلال القرنين التاسع عشر والعشرون، منشورات متحف المجاهد، الجزائر، 1995، ج2،
    ب ـ بالغة الاجنبية:
    - Ageron CH R .Les Algeriens musulmans et la France 1871 - 1919 ;paris presse universite de France , 1968 ;t1 ;
    - RINN Louis Marabouts et khouans etude sur l islam en algerie ; Alger 1884
    - Les confreries et les zaouias en Algerie: in revue Algerie ; Bulletin de liaison et de decumentation du gouvernement generale de l Algerie 3trim ; 1956 ;
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 10) الطريقة الزيانية وتطورها التاريخي   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:52

    الطريقة الزيانية وتطورها التاريخي
    د. عبد القادر بوباية
    جامعة وهران السانية

    الملخص:
    Résumé:
    cette intervention consiste a l’étude d’une confrérie religieuse fondée par le cheikh m’hamed den abi ziane dans la ville de Kenadsa, et son historique ainsi que ses principaux cheikhs et leur œuvres ; cette confrérie nommée Ziania qui a pu redonner une nouvelle vie a toute une région (Kenadsa et ses environs) par le biais de l’enseignement et les œuvres de bienfaisance a l’égard des démunis et passagers ainsi que par les autres réalisations accomplis par ses cheikhs et notamment les puits, la principale source de la vie au Sahara.

    مقدمة:
    مما لا شك فيه أن الطرق الصوفية قد لعبت دورًًًا كبيرًا في حياة المسلمين سواء من خلال التعليم أو من خلال النشاطات الأخرى التي كانت تقوم بها.
    وينطبق ذلك تمام الانطباق على الطرق التي كانت منتشرة في الجزائر عامة، وفي المناطق الصحراوية منها على وجه الخصوص، ذلك أن العزلة والابتعاد عن المراكز العلمية التي كانت تعيشها هذه الأخيرة قد ساهم بشكل كبير في ظهور الطرق الصوفية التي لعبت دورا كبيرا في نشر التعليم بين صفوف أهل هذه المناطق، كما لعبت دورًا أهم في تنظيم الحياة داخلها، إضافة إلى تولي مسؤوليات أخرى مرتبطة بالظروف التي كانت تمر بها هذه المناطق.
    لقد تحولت الزوايا إلى منابر للتعليم، وتخرّج على أيدي شيوخها الآلاف من الطلبة المجهزين بالعلوم التي يحتاجون إليها في توجيه عامة المسلمين، كما ساهم شيوخ هذه الزوايا في تنظيم المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي الذي وطأت أقدامه أرض الجزائر، ويجمع كل الذين أرّخوا للمقاومة الوطنية أن جلّ الذين قادوا مقاومة المحتلين كانوا من زعماء الطرق الصوفية.
    وبمناسبة هذا الملتقى الدولي الذي تنظمه الجامعة الإفريقية حول "التصوف في الإسلام والتحديات المعاصرة" سأحاول تسليط بعض الضوء على الطريقة الزيانية في الجزائر، وتتبع أهم النشاطات التي قامت بها خلال الفترة الممتدة من تاريخ تأسيسها على يد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن أبي زيان المتوفى على الأرجح سنة 1145هـ/1733م إلى الربع الأول من القرن العشرين.
    لقد لعبت الزاوية الزيانية دورًا بارزًا في منطقة الجنوب الغربي سواء تعلق الأمر بمقاومة الاستعمار الفرنسي أو الأعمال الخيرية والاجتماعية المختلفة التي لها علاقة وطيدة بالتكافل الاجتماعي، وبخاصة تجاه العائلات المحرومة، إضافة إلى توفير الأمن لكل المضطهدين الفارين من بطش الأعداء.
    تأسيس الطريقة الزيانية:
    تأسست الطريقة الزيانية على يد أبي عبد الله الحاج امحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي زيان بن عبد الرحمن بن أحمد بن عثمان بن مسعود المراكشي المعروف بمولاي بوزيان الذي ولد في منتصف القرن السابع عشر في عائلة شريفة كانت مقيمة عند مصب وادي درعة ، وقد تناولت بعض المصادر حياته بالتفصيل، ومنها على وجه الخصوص كتاب "طهارة الأنفاس والأرواح الجسمانية في الطريقة الشاذلية الزيانية" لمصطفى بن الحاج البشير، الذي قدمه ولخصه المستشرق الفرنسي أوغست كور، وكتاب "فتح المنان في سيرة الشيخ الحاج امحمد بن أبي زيان" لمؤلفه عبد الرحمن بن يعقوب مزيان اليعقوبي، وكتاب "منهل الضمآن ومزيل الهموم والكروب والأحزان في كرامات شيخنا العارف بالله سيدي الحاج امحمد بن عبد الرحمن بن أبي زيان" لمؤلفه الحاج علي الشامي1.
    كان امحمد بن أبي زيان يهدف إلى الدعاية للطريقة الشاذلية بالوسائل التي كان قد استعملها من قبل محمد بن عمر الهواري، وهو أبو عبد الله محمد بن عمر الهواري الشيخ العالم الولي العارف بالله العالم العامل الكثير السياحة شرقا وغربا، والذي أخذ العلم عن أبي عمران العبدوسي والقبّاب وعبد الرحمن الوغليسي، وصاحب المؤلفات الكثيرة، والمتوفى سنة 843هـ1 وأحمد بن يوسف الملياني وأضرابهما من المرابطين الدعاة1، وقبل مواصلة الحديث عن مؤسس الزاوية الزيانية يجدر بنا التعريف بالطريقة الشاذلية باعتبارها الطريقة الأم للزاوية الزيانية.
    يعتبر أبو الحسن الشاذلي مؤسس هذه الطريقة، وهو كما ذكر الذهبي في كتاب العبر: "أبو الحسن علي بن عبد الله بن الجبار المغربي"، المتوفى في أوائل ذي القعدة سنة 656هـ، وتنسب إليه طريقة صوفية يؤمن أصحابها بجملة من الأفكار والمعتقدات الصوفية، ومنها التوبة التي تعتبر نقطة انطلاق المريد أو السالك إلى الله تعالى، والإخلاص والنية والخلوة والذكر والزهد والورع والتوكل، وقد ولد في قبيلة غمارة المقيمة قرب مدينة سبتة بالمغرب الأقصى سنة 593هـ، وأخذ تعاليم شيخه عبد السلام بن مشيش، وهو أحد تلاميذ أبي مدين شعيب البارزين، وينتمي إلى أشراف بني عروس الساكنين عند جبل عالم بتطوان1.
    كان ابن مشيش من زعماء الفكر في دولة الموحدين، وقد عاصر عبد المؤمن بن علي المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين، وقد أوصى أصحابه وتلاميذه، ومنهم أبو الحسن الشاذلي، بالابتعاد عن أصحاب السلطة والسياسة، وكانت وفاته سنة 625هـ .
    كانت حياة ابن مشيش مُكرّسة لخدمة الدين والتصوف، ولذلك انتشر صيته في كل بلاد المغرب، ويتفق معظم الباحثين على أن شهرته قامت على شهرة أبي الحسن الشاذلي، إذ كان هو الذي كونه ووجهه، كما نصحه بالذهاب إلى تونس للابتعاد عن المؤامرات القائمة في المغرب الأقصى.
    عمل أبو الحسن الشاذلي بنصيحة شيخه؛ فتوجه إلى قرية شاذلة الواقعة خارج مدينة تونس، واختلى بها، ثم اشتهر أمره؛ فقصده الزوار والفضوليون، وخوفا على حياته انتقل إلى مصر، وبعد معاناة عابرة استقرّ في القاهرة، وأظهر كراماته وعلمه للخاصة، وكانت وفاته سنة 565هـ.
    أصبحت الشاذلية بفضل تلاميذه طريقة في التصوف والفلسفة والعلم، وذلك عن طريق ممارسة الأخلاق والفضيلة والتوحيد، وقد انتشرت في العالم الإسلامي، وكان لها أتباع في بلاد المغرب والمشرق العربيين1، ومنها الجزائر، وعلى الخصوص الزاوية الزيانية التي نحن بصدد تسليط بعض الضوء على المراحل التي مرّت بها.
    كانت زاوية درعة مصدر تأثير صوفي كبير على بعض الجزائريين سواء بدراسة هؤلاء فيها، والتتلمذ على شيوخها، أو بمرور زعماء الزاوية أنفسهم في الجزائر بمناسبة الحجّ ونحوه.
    رحلته العلمية وشيوخه: يعتبر الشيخ امحمد بن أبي زيان نموذجًا لهذه الصلات والتأثير؛ فقد توفي والده وهو في عمر مبكر، ولذلك خرج من قريته "التحاتة" القريبة من القنادسة متوجها إلى زاوية تافيلالت (سجلماسة) التي كان بها الشيخ مبارك بن عزي1 زعيم الطريقة الشاذلية1، فدرس عليه القرآن الكريم، وقبل وفاة ابن عزي أخذ عليه بوزيان سرّ الطريقة أيضًا1.
    ثم توجه إلى جوهرة المغرب مدينة فاس طلبا للعلم بناء على نصيحة شيخه، وبقي فيها لمدة ثماني سنوات أخذ خلالها عن علماء بارزين في وقتهم ومنهم:
    محمد بن عبد القادر الفاسي: هو أبو عبد الله محمد بن الشيخ عبد القادر الفاسي الفقيه العالم، الإمام المتفنن، المحقق القدوة الذي أخذ عن والده وأجازه، كما أخذ عن الشيخ السوسي، وابن عمّ أبيه محمد بن أحمد الفاسي وغيرهم، وله تآليف في المنقول والمعقول، وكان مولده سنة 1042هـ، وتوفي سنة 1116هـ1
    عبد السلام جسوس: هو أبو محمد عبد السلام بنم أحمد جسوس الفاسي الإمام، شيخ المعارف والفضائل، وأستاذ الأكابر والأفاضل، وصدر المجالس والمحافل، الصوفي المتفنن في العلوم، العالم العامل، صاحب التأليف في الأدعية النبوية، المتوفى شهيدًا سنة 1121هـ1.
    أحمد بن الحاج: هو أبو العباس أحمد بن العربي المعروف بابن الحاج الفاسي، الشيخ الإمام، نخبة الأكابر، وبغية الأعلام، الفقيه العلامة الذي كانت وفاته سنة 1109هـ1، وبعد تحصيله للعلم ولمختلف المعارف عاد إلى القنادسة.
    تذهب مصادر الطريقة الزيانية إلى أن امحمد بن أبي زيان هو السابع والثلاثون في سلسلة شيوخ الطريقة الشاذلية، ومن ضمن المذكورين في هذه السلسلة شيخه مبارك بن عزي ومحمد بن ناصر الدرعي بالإضافة إلى أبي مدين الغوث وأبي الحسن الشاذلي1.
    بعد انتهاء تعليمه في مدينتي فاس وتافلالت، والتي استغرقت مدة قاربت خمسا وثلاثين سنة، توجّه الشيخ امحمد بن أبي زيان إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، وفي طريق عودته زار القاهرة وطرابلس، وتونس أين التفّ حوله الكثير من طلبة العلم1.
    بعد هذه الرحلة التي قادته إلى زيارة الكثير من بلاد المشرق العربي، ومكنته من استزادة العلم، عاد الشيخ امحمد بن أبي زيان إلى بلاده سنة 1098هـ(1686م)1، واستقرّ بالقنادسة، وبدأت تظهر عليه الكرامات، وجاءه ألوف الزوار من كل أنحاء الجزائر ومن المغرب وتونس، وحتى من بلاد الترك والحجاز1، وأصبح عندهم قطب أهل التصوف، واستوى في ذلك الأمر عامة الناس وخاصتهم، حتى أن معاصره الشيخ عبد الرحمن الكرزازي مؤسس الطريقة الكرزازية بالقرب من بني عباس قد جاءه زائرًا، ولم يكتف بذلك بل نصح الناس بزيارته، وكانت الزاوية رحمة من الله تعالى على أهل القنادسة وما جاورها من البلاد حيث أغناهم الله بعد فقر، وأمنهم بعد خوف1.
    كان ابن أبي زيان يختفي فجأة عن أعين الناس لمدة أسبوع، وهدفه من ذلك هو الاختلاء بنفسه، ثم يعود للظهور من جديد، وكان يركب الحمار في بعض الأحيان، أو يمشي حافي القدمين في أحيان أخرى، وهو دليل على التواضع، وكان يتغذى اعتمادًا على الأعشاب وأوراق الشجر، وكان يغسل ثيابه بنفسه، وكان الهدف من كل هذه الأعمال إعطاء القدوة لتلاميذه.
    قام الشيخ امحمد بن أبي زيان ببناء زاوية بالحجر والطوب في القنادسة1، وصارت هذه الأخيرة مركز قصر ذا أهمية كبيرة في المنطقة1، وبعد زمن قصير أصبحت مقصدا للزوار الذين بلغ عددهم في بعض الأحيان أربعمائة زائر، وكان هؤلاء الزوار يجلبون إلى الزاوية القمح والشعير والعسل والشحم، وكان لبناء الزاوية أثره البالغ على مدينة القنادسة التي أصبحت غنية بعد فقر، وعرفت بعدما كانت مجهولة، وارتوت بعدما كانت تعاني من العطش، ويعود فضل هذا الأمر الأخير إلى الآبار التي قام الشيخ امحمد بن أبي زيان بحفرها بالزاوية نفسها، وفي غيرها من المناطق المجاورة، وكانت هذه الآبار موجهة لعابري السبيل، إضافة إلى أهل البلاد الذي كانوا يعانون من ندرة الماء.
    كان الشيخ بن أبي زيان يدين بالعرفان لشيوخه الذين تتلمذ عليهم، ويدل على ذلك زيارته لأضرحة كل من مبارك بن عزي ومحمد بن ناصر الدرعي، وغيرهما من المشايخ في سجلماسة، كما كان يزور صديقه عبد الرحمن الكرزازي المعروف أيضا باسم بوفلجة1، ومازالت هذه العائلة موجودة بتلمسان، ومتمسكة بالطريقة الكرزازية إلى يومنا هذا، وكان الشيخ ابن أبي زيان لا يخاف الولاة، ولكنه لا يذهب إليهم كما يفعل غيره من شيوخ بعض الطرق الصوفية، ولذلك كان محل احترامهم.
    اعتمد الشيخ ابن ابي زيان على تعاليم الطريقة الشاذلية، وقد أشيعت عنه الكرامات، واعتبر السبحة لازمة له لأن هذه الأخيرة كانت تؤخذ بالسند المتصل إلى الإمام الحسن البصري رحمه الله1، إلى درجة أنه كان يقول: "السبحة واللوح إلى خروج الروح"، وإذا كان يشير بالسبحة إلى الذكر على الطريقة الشاذلية؛ فهو يشير باللوح إلى قراءة القرآن، ويريد من خلال ذلك التأكيد على أن اللوح ضروري لحفظ القرآن، ومن ثم العلم بصفة عامة.
    كان ذلك هو ما دأب عليه الشيخ محمد بن أبي زيان، وكانت طريقته تقوم على أداء الذكر، ومعرفة السلسلة الشاذلية، وسلسلة أهل التصوف السابقين، أما السّبحة والخرقة فلم يكن له فيها تقليد معين، وطريقة الذكر عنده هي التي أوردها الشيخ محمد بن يوسف السنوسي في العقيدة الصغرى، وكان سلوكه في بقية حياته يشبه سلوك معظم المرابطين المنتسبين إلى الطريقة الشاذلية، فقد حج خمس حجات ثلاث منها ماشيا على قدميه1، وتزوج عدة مرات، ورزق بالعديد من البنين والبنات، وكان يقبل الهدايا، وتشير المصادر التي ترجمت له إلى أنه لم يكن يبالي بلذائذ الطعام والشراب، ولا بفاخر اللباس1
    بعد حياة حافلة بالنشاط العلمي والعطاء الصوفي، انتقل الشيخ امحمد بن أبي زيان إلى جوار ربه يوم 10 رمضان سنة 1145هـ الموافق لـ24 فيفري 1732م، وقيل سنة 1151هـ حسب رواية أخرى1 ودفن في مدينة القنادسة، وخلفه على رأس الزاوية الزيانية ابنه محمد الأعرج1
    تمرّ السلسلة الزيانية بعدد من العلماء والصالحين أمثال أبي مدين شعيب الذي ولد في مدينة إشبيلية سنة 500هـ، وقضى حياته في الأندلس وفاس وبجاية وتلمسان التي توفي بها سنة 594هـ، ودفن في العباد، وقد أفنى حياته في التعلم والتعليم ، وقد مدحه شرف الدين البوصيري بقصيدة أوردها مؤلف كتاب "مفاخر البربر"، ومما جاء فيها قوله:
    يخيل لي في كل شعب سلكته ** بــأن شعيبــا فــي ذلك الشعب
    أبا مدين أوردتني ماء مزينا ** مـن الحب حتى فزت بالمنهل العذب
    وآنست نارا من جنابك للهدى ** بدت فانجلت عنـا بهـا ظلم الكرب
    فمثلك من يدعوه مثلي لكربه ** فينجو لحسن الظـن فيه من الكرب1
    وأبي الحسن الشاذلي الذي سبق التعريف به، ومحمد بن ناصر الدرعي.
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: تابع .... الطريقة الزيانية وتطورها التاريخي   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:54

    أوراد الطريقة الزيانية: تتمثل إجمالا في أذكار الشاذلية مع بعض التغيير، وقد أورد مترجمو الشيخ امحمد بن أبي زيان الأوراد التي كان يلقنها الشيخ أثناء تعليمه لطلبته حيث كان يقول لهم: "وعليكم يا إخواني بكثرة الاستغفار، والصلاة على نبيه وحبيبه سيدنا صلى الله عليه وسلم، وليكن ذلك شغلكم"، وإن أتى إليه أحد يأخذ عنه السرّ يقول له: "طهر الله قلوبنا وقلوبكم، ويسأله أتقرأ القرآن وتحفظه على ظهر قلبك؟ فإن قال: نعم، ناوله بحسب عادته مع أهل القرآن، ويدعو له، ويحضّه على قيام الليل، وحضور القلب عند أمره ونهيه ووعده ووعيده"، وكان يقول لطلبته: "إن رغبتم في الدخول في السلسلة فصحّحوا التوبة بشروطها، وعليكم بتقوى الله، والتوكل عليه في جميع الأمور، والتأهب ليوم النشور، والنزول لسكنى القبور، وإذا فرغتم من الأذكار المأثورة بعد صلاة الصبح فقولوا: استغفر الله مائة مرة، اللهم صلي على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مائة مرة، وكذلك لا إله إلا الله ألف مرة، ويزاد عند تمام كل مائة محمد رسول الله"1
    خلفاء الشيخ امحمد بن بوزيان:
    1- الشيخ محمد الأعرج: أوصى الشيخ امحمد بن أبي زيان بالخلافة لأحد أبنائه، وهو الشيخ محمد الأعرج بن امحمد بن أبي زيان الذي أورثه سرّه وبركته الصوفية، وأمر اتباعه بطاعته، وقد اتبع سيرة أبيه في تدبير شؤون الزاوية، وكان متبعا للسنة ومجتنبا للبدعة، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ومواظبا على القراءة والذكر وإصلاح ذات البين وبذل النصيحة للمسلمين، وتعليمهم القرآن وعلومه، وإطعام الطعام لفقرائهم وضيوفهم.
    اشتهر أمر الشيخ محمد الأعرج في الآفاق، ومدحه بعض الشعراء أمثال محمد بن الحاج التلمساني، وكانت وفاته بعد صلاة الظهر من يوم الإثنين الثامن عشر من ربيع الآخر سنة 1175هـ/1761م1
    2- الشيخ أبو مدين بن محمد الأعرج: تتابع الخلفاء على رأس الزاوية الزيانية حيث تولى رئاستها الشيخ أبو مدين بن محمد الأعرج، وهو الذي بنى جامع القنادسة، كما بنى منارة الزاوية هناك، ولم تمنعه رئاسة الزاوية من ممارسة النشاط التجاري الذي مكنه من أن يصبح من أثرياء المنطقة، ولذلك قيل فيه أنه زواج بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وكانت وفاته بعد العشاء من ليلة الأربعاء السابع والعشرين ربيع الآخر سنة 1204هـ/1790م1
    3- الشيخ محمد بن عبد الله بن أبي مدين: بعد وفاة أبي مدين سنة 1204هـ/1790م خلفه محمد بن عبد الله بن أبي مدين الذي اتبع سيرة أسلافه من إتباع السنة واجتناب البدعة، وإطعام الطعام والمواظبة على الذكر، وكانت وفاته يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة 1242هـ/1825م1
    4- الشيخ أبو مدين بن محمد بن عبد الله: تولى قيادة الزاوية الزيانية بعده أبو مدين بن محمد بن عبد الله، وهو الخليفة الرابع للزاوية، وكان أديبا وشاعرًا، إضافة إلى تضلعه في الفقه والتصوف، وكان يجالس العلماء ويتذاكر معهم ويعتني بهم، وكانت وفاته يوم الأحد السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1268هـ/1852م1.
    5- الشيخ محمد المصطفى: خامس خليفة على رأس الزاوية الزيانية هو محمد المصطفى بن محمد بن عبد الله الذي أظهر عطفا خاصًّا على الفقراء والأيتام والأرامل، حيث كان يحسن إليهم ويواسيهم، وكانت وفاته ليلة الخميس الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة 1275هـ/1858م1
    6- الشيخ مبارك: تولى قيادة الزاوية خليفة سادس هو مبارك الذي لم يبق إلا أحد عشر شهراً، ثم ترك شؤون الزاوية لأخيه، وكانت وفاته سنة 1278هـ/1867م 1.
    7- محمد بن عبد الله: وهو محمد الذي يقول عنه رين: "إنه هو المتولي عند تأليف كتابه سنة 1884م"، وقد طال عهد محمد بن عبد الله، ويدعى أيضا محمد بن بوزيان– على اسم جده- بن محمد المصطفى، وهو الخليفة السابع في سلسلة شيوخ الزاوية الزيانية، وفي عهده استغنى عن السكان في إطعام الضيوف، حيث أمر مناد له بأن ينادي في البلاد "لا تكلفوا أنفسكم بشيء قليلا كان أو كثيرا"، وكانت وفاته يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1312هـ/1895م1.
    8- إبراهيم بن محمد بن عبد الله: أما الخليفة الثامن فيها فهو إبراهيم بن محمد بن عبد الله الذي كان على رأس الزاوية عندما كتب عنها كل من ديبون وكوبولاني ضمن محتويات كتابهما 1897م، وكذلك كور 1910م، وهو الذي انتهى به كتاب "طهارة الأنفاس" المشار إليه فيما سبق من حديث لأنه عاصره، وكانت وفاته في السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1321هـ/1913م1
    9- محمد بن الأعرج: توفي الشيخ إبراهيم القندوسي سنة 1913م، ومن ثمة لم يحضر الحرب العالمية الأولى، ويبدو أن الذي جاء بعده هو محمد بن الأعرج الذي كان موجودا سنة 1931م، وهو ابن أخي إبراهيم المذكور سابقا، وقد اعتبر الفرنسيون كدأبهم مع غيره من الزعماء بأن ابن الأعرج كان صديقا لهم، وأنه قد أعانهم خلال الحرب العالمية، وقد توفي محمد بن الأعرج في 13 فبراير 1934م، وخلفه ابنه عبد الرحمن1
    نشاط الزاوية الزيانية: إضافة إلى نشاطها العلمي لعبت الزاوية الزيانية دورا كبيرا في النشاط التجاري بالصحراء، وذلك من خلال حماية القوافل التجارية من اللصوص وقطاع الطرق المنتشرين في السبل التي تسلكها هذه القوافل، وأصبح من الضروري بمكان وجود ممثل عن شيخ الزاوية ليتمكن التجار من ممارسة نشاطهم في كنف الأمن والاطمئنان1.
    استفادت الزاوية كثيرًا من الممتلكات التي كانت بيدها سواء في القنادسة وتلفيلالت أو في وادي درعة، وبفضلها كانت مداخيل الخزينة كبيرة، ومع ذلك فإن شيوخ الزاوية وأفراد أسرهم كانوا يحيون حياة الزهد والتقشف، وكان جل ما يدخل الخزينة ينفق على الفقراء والمساكين فضلا على إكرام عابري السبيل، وتعليم الطلاب الوافدين إلى الزاوية وفروعها المختلفة، واستقبال كل الفارين من الاضطهاد والبطش1المسلطين من قبل الأطراف الأخرى، وبالخصوص الإستدمار الفرنسي.
    تتحدث المعلومات الفرنسية عن الطريقة الزيانية فتقول: "إنها تقدم خدمات كبيرة في المناطق التي تتواجد بها، ولاسيما وقت الاضطرابات والفتن، وكان الخليفة يذهب سنويا للقيام بزيارة القبائل المجاورة والأعراش، وذلك من أجل التفتيش وجمع الزيارات"، ويعتبر الفرنسيون أن الطريقة الزيانية طريقة متسامحة.
    وتتمثل ابرز الأعمال التي كانت الزاوية الزيانية تقوم بها في تسهيل حركة القوافل والتجارة واستضافة زواياها العابرين، كما تقوم بإيواء المهزومين والهاربين، وتتدخل لعقد الصلح بين الناس.
    لقد سمح شيخ الزاوية بلجوء أعداء فرنسا عنده، ولكنه لم يشجع على الثورة ضدها، ولعل السبب في ذلك هو رغبتها في مواصلة أعمالها الخيرية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا ابتعدت عن كل ما يتسبب في عداء الفرنسيين لها، ومع ذلك فقد كان أتباع الزاوية الزيانية من بين الأوائل الذين انضموا إلى ثورة الشيخ بوعمامة سنة 1881م، وتذكر المصادر الفرنسية أن الزاوية الزيانية قدمت الشعير وحيوانات الذبح إلى بعثة الجنرال وينفين في وادي قير سنة 1870م، وكان القائد الفرنسي في حاجة ماسة إليها.
    ومن الفوائد التي جناها الفرنسيون من زاوية القنادسة تأييدها لهم أيضا في حربهم ضد المانيا سنة 1914م4، فقد بعث الشيخ وصية إلى كافة أتباعه يستنكر فيها استعانة تركيا بألمانيا، وتنبأ بهزيمة تركيا وألمانيا، ولكن الكتابات الفرنسية لا تذكر أن الزاوية الزيانية قد شجعت أتباعها على التجنيد في صفوف الاستعمار الفرنسي.
    أورد مؤلف كتاب "مرابطين وإخوان" بعض الإحصاءات المتعلقة بالزوايا المنتشرة فوق التراب الجزائري، ومنها الزاوية الزيانية التي يذكر أن عدد أتباعها يبلغ وقت تأليف كتابه ثلاثة آلاف وأربعمائة عضو موزعين كما يلي:
    ولاية وهران: ويتواجد بها أربعة زوايا تضم واحدا وتسعين مقدما وثلاثة آلاف وثمانية وثمانين طالبا.
    ولاية الجزائر: ويوجد بها ستة مقدمين ومائتان وسبعة عشر طالبا أو أخا بتعبير المؤلف.


    الخلاصة:
    كانت هذه بإيجاز أهم المراحل التي مرت بها الطريقة الزيانية التي يعود الفضل في تأسيسها إلى الشيخ امحمد بن أبي زيان بن عبد الرحمن القندوسي، والتي تواصل نشاطها العلمي والخيري رغم تواجد الاستدمار الفرنسي الذي سعى إلى البطش بأهل البلاد، والاستحواذ على ممتلكاتهم وثرواتهم.
    لقد ساهمت الزاوية الزيانية في نشر العلم والمعرفة بين ساكني المناطق الجنوبية الغربية على وجه الخصوص، كما عملت على تسهيل الحياة للمقيمين في هذه المناطق من خلال الأعمال الخيرية المختلفة، ولعل أبرزها القيادة الروحية للقوافل التجارية، وحمايتها من اعتداءات اللصوص وقطاع الطرق الذي انتشروا في المنطقة جراء انعدام الأمن بها، وحفر الآبار التي لعبت هي الأخرى دورًا بارزا في استقرار السكان، وممارسة نشاطاتهم الاقتصادية، ومن ثم توفير ما يحتاج إليه أفراد أسرهم وجيرانهم.
    فضلا على ذلك لعبت الزاوية دورًا هاما في تقديم يد العون إلى كل من يحتاج إلى ذلك؛ فقد آوت الفارين والمضطهدين، ووفرت الإقامة لعابري السبيل، كما دعمت صفوف المناهضين للاحتلال الفرنسي، ويدلنا على ذلك وجود العديد من أبنائها في طليعة المنضمين إلى الثورة التي قادها الشيخ بوعمامة سنة 1881م.


    الهوامش:

    - عبد الرحمن بن محمد مزيان اليعقوبي الحسني- فتح المنان في سيرة الشيخ محمد بن أبي زيان- مخطوط بالخزانة الزيانية القندوسية- القنادسة- 3و/الحاج علي بن عبد القادر التازي- منهل الظمآن ومزيل الهموم والكروب والأحزان في كرامات شيخنا العارف بالله سيدنا الحاج محمد بن أبي زيان- مخطوط بالخزانة الزيانية القندوسية- القنادسة- ص 216/المنجرة إدريس بن محمد الفاسي- عذب الموارد في رفع الأسانيد- مخطوط بالخزانة الوطنية (العامة)- الرباط- رقم د 1838- ص 57.
    Luis Rinn - Marabouts et Khouan-lib.Adolphe Jourdan – Alger 1884 - p.408
    O. Depont/ Xavier Coppolani - les confréries religieuses musulmanes - lib.Adolphe Jourdan – Alger -1897 - p.497.
    - توجد نسخ من هذه المخطوطات بالخزانة الزيانية القندوسية التي أنشأها الأستاذ مبارك طاهري بالاعتماد على إرث أجداده شيوخ الزاوية القندوسية، وتضم حاليا أكثر من مائة وخمسين مخطوطا في شتى أنواع العلم والمعرفة وأبرزها كتاب الاكتفاء في أخبار الخلفاء لمؤلفه عبد الملك بن الكردبوس التوزري والذي نعكف على تحقيقه، وسيصدر قريبا عن دار الكتب العلمية ببيروت.
    - الشيخ محمد بن محمد مخلوف- شجرة النور الزكية في طبقات علماء المالكية- دار الكتاب الرعبي – بيروت الطبعة الأولى- ص254.
    - أبو القاسم سعد الله- تاريخ الجزائر الثقافي- دار الغرب الإسلامي- بيروت- الطبعة الأولى 1998م- ج1 ص504.
    - الندوة العالمية للشباب الإسلامي- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب وأحزاب المعاصرة- إشراف ومراجعة د. مانع بن حماد الجهني- دار الندوة العالمية للطباعة والنشر- الرياض 1418هـ- ط3 صص379،281.
    - أبو القاسم سعد الله- نفس المرجع- ج4 صص74،68.
    - أبو عبد محمد بن القاسم القندوسي- شراب أهل الصفا في الصلاة على النبي المصطفى- تحقيق عبد الله حمادي الإدريسي وخونا أحمد محمود الجكني- دار الهدى- عين ملية-2008م- ص 67.
    - نفسه- ج1 ص504.
    Louis rinn – opcit – p 408.
    - شجرة النور الزكية- ص 329.
    - شجرة النور الزكية- ص 331.
    - شجرة النور الزكية- ص 328.
    - أبو القاسم سعد الله- نفسه- ج1 ص505.
    Louis rinn – opcit – p 409.
    - شراب أهل الصفا- ص 68.
    - فتح المنان- ص 394/منهل الظمآن- ص 82.
    - منهل الظمآن- ص 138- 141.
    - نفسه – ج1 ص505.
    - Louis rinn – opcit – p 409.
    - نفسه – ج1 ص505.
    - نفسه – ج1 ص505.
    - فتح المنان- ص 356/منهل الظمآن- ص 4.
    - تاريخ الجزائر-ج1ص506.
    - Louis rinn – opcit – p 411.
    - تاريخ الجزائر-ج1ص506.
    -
    - مجهول- مفاخر البربر- تحقيق عبد القادر بوباية- دار أبي رقراق للنشر والتوزيع- الرباط- 2005م- ص 176-177.
    - طهارة الأنفاس- ص 99- 101.
    - طهارة الأنفاس- ص 26-30.
    - طهارة الأنفاس- صص 29- 34.
    - طهارة الأنفاس- ص 34.
    - طهارة الأنفاس- ص 34- 35.
    - نفسه- ج4 ص91.
    - طهارة الأنفاس- ص 36.
    - طهارة الأنفاس- ص 36- 37.
    - Marthe et Edmond Gouvion- Kitab A’yane el Maghariba- Imprimerie Orientale Fontana Frères- Alger- 1920- t 2 p 215.
    - نفسه – ج4 ص93 وقد أورد رين وكوبولاني سلسلة شيوخ الزاوية الزيانية على النحو التالي:
    * امحمد بن عبد الرحخمن بن بوزيان وتوفي في 10 رمضان 1145هـ، محمد الأعرج وتوفي سنة 1196هـ/1781م.
    * أبو مدين بن الأعرج المتوفى سنة 1214هـ/1799م.
    * أبو مدين بن محمد بن عبد الله المتوفى سنة 1241هـ/1825م.
    * محمد بن محمد المعروف بـ "مصطفى بن محمد" وهو أخو السابق المتوفى سنة 1272 هـ/1853م.
    * سيدي محمد بن عبد الله وهو الرئيس الحالي أي سنة 1884م/
    - 411Louis rinn – op.cit – p411 / O. Depont/ Xavier Coppolani - les confréries religieuses musulmanes - lib.Adolphe Jourdan – Alger -1897 - p.498.
    - Louis rinn – op.cit – p 412/ O depont/xavier coppolani – opcit – p499.
    - Louis rinn – op.cit – p 413.
    - تاريخ الجزائر- ج4 ص93.
    - Louis rinn – op.cit – p 415
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
    chikh
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى


    عدد الرسائل: 2777
    الموقع: الأبيض سيدي الشيخ/ الجزائر
    نقاط: 4741
    تاريخ التسجيل: 11/04/2008

    مُساهمةموضوع: 11) نشأة الطرق الصوفية بالجزائر دراسة تاريخية   الجمعة 28 نوفمبر 2008 - 23:58

    نشأة الطرق الصوفية بالجزائر
    دراسة تاريخية
    د. عبد الرحمان تركي
    جـــامعة الوادي


    الملخص:
    تطرقت في هذه المداخلة إلى تتبع الطرق الصوفية فقدِمت إلى تعريفها ثم إلى نشأتها وتطورها وانتشارها بالجزائر والمغرب العربي وأسباب ذلك، كما تطرقت إلى بعض الطرق الرئيسية بالجزائر وشيوخها وأئمتها الذين كان لهم الدور الظاهر في تأسيسها ونفوذها وتواصلها، وهذا بالرجوع إلى مصادر عُنيت بموضوع التصوف والطرق الصوفية من الناحيتين الدينية والتاريخية، ومصادر عُنيت بتاريخ الجزائر خاصة في الفترتين العثمانية والاستعمارية.


    This article defines and traces the reasons leading to the rise, development and expansion of Sufism in Algeria and the Arab Maghreb. Based on sources interested in the historical and religious aspect of this doctrine and the history of Algeria during the Othman the colonization eras, this article sheds light on the main trends of Sufism in Algeria and the significant role played by its founders and imams in its birth and continuity.


    مقدمة:
    لقيت الطرق الصوفية اهتماما من الباحثين العرب والمستشرقين الذين تعددت دراساتهم وأبحاثهم حولها وأثارت دهشتهم وولعهم الشخصيات المشتهرة في ساحة التصوف مثل رابعة العدوية والحسن البصري وأبو القاسم الجنيد بن محمد وأبو حامد الغزالي ومحي الدين بن عربي والحسين بن منصور الحلاج وشهاب الدين السهروردي، ومع هذا فدراسة الفرق والطرق الصوفية ومشائخها وكتاباتها ومعتقداتها وممارساتها والتي كانت تعبيرا عمليا عن علم التصوف لم تلق الاهتمام الكافي والملائم لأدوارها التاريخية ولمنجزاتها التربوية والاجتماعية .
    وأذكر من الباحثين العرب ممدوح الزوبي في كتابه (الطرق الصوفية: ظروف النشأة وطبيعة الدور) والذي تحدث عن الطرق الصوفية بإسهاب إلا أنه لم يستقص كل الطرق لاسيما المتواجدة بالمغرب العربي وكذلك فيلالي مختار الطاهر في كتابه (نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني) والذي تحدث عن أهم الطرق الصوفية بالجزائر خلال العهد العثماني نشأة وتطورا ومواقفا وآثارا وعبد الباقي مفتاح في كتابه (أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية)، وأبو القاسم سعد الله في كتابه (تاريخ الجزائر الثقافي ج4) والذي يعد مرجعا أساسيا في تاريخ الطرق بالجزائر وكيفية نشوئها وتواجدها وفروعها .
    ومن المستشرقين أذكر المستشرق الفرنسي جان شوفليي في دراسته عن التصوف والمتصوفة في المغرب العربي، وسبنسر ترمنقهام في كتابه (الفرق الصوفية في الإسلام) (1)، والمستشرق المجري أجناس جولد تسيهر في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام)، والمستشرق الألماني آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) .
    وبعد نظر في كتاباتهم وأعمالهم نجدها ليست مبنية على دراسات ميدانية وزيارات للزوايا ورجوع إلى مصادر الطرق الأساسية .
    وإشكالية المداخلة تتمثل في الأسئلة الآتية:
    ما هي الأجواء والظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت في الجزائر والتي شكّلت التربة الخصبة لنشوء الطرق الصوفية ؟، وهل منشؤها جميعا كان بفعل ذاتي من طرف الجزائريين أم تأثروا بما ساد في المشرق العربي من ازدهار سوق التصوف واشتهار أعلامه ؟، هل تجاوزت هذه الطرق أدوارها الدينية وصارت تؤدي وظائف لها صبغ اجتماعية وسياسية واقتصادية ؟، هل استندت في مصادرها إلى الجانب العلمي من علوم القرآن والحديث وآثار المتصوفة الأولين أم استندت إلى الرؤى والأحلام والكرامات في اعتماد المعرفة ؟ .
    وللإجابة على هذه الأسئلة فصّلت الموضوع إلى عناصر ثلاثة هي تعريف الطريقة الصوفية ونشأتها وتطورها ثم نشأتها بالجزائر .

    تعريف الطريقة الصوفية:
    عُرّفت الطريقة الصوفية بتعاريف مختلفة تبعا لمكوناتها أي العناصر المكونة لها، وتبعا لوسائلها التربوية والروحية وللأهداف التي تبتغي الوصول إليها وتحقيقها، وتبعا كذلك لما تملكه من سلطات ونفوذ بين الناس، من هذه التعاريف:
    1 - أنها أسلوب عملي لرعاية سلوك المريد وتوجيهه عن طريق اقتفاء أثر طريقة معينة في التفكير والشعور والذكر والتعلم والعمل تؤدى من خلال تعاقب مراحل المقامات وتصاعدها في ارتباط متكامل مع التجارب السيكولوجية أو النفسية المسماة أحوال، وقد كانت الطريقة تعني أولا ببساطة ذلك المنهج التدريجي للتصوف التأملي وتحرير الروح والذكر المتواصل بالتجمع حول شيخ معترف به طلبا للتدريب خلال الاتصال أو الصحبة(2) .
    2 - أنها سلطة قوية بما تملك من أتباع وأموال مختلفة، وسلطة روحية معنوية على الناس من خلال مشائخها(3) .
    3 - أنها اعتراف المريد بالولاء التام والإيمان الكامل والانقياد المطلق لشيخ الطريقة، الذي يعد من الأولياء الصالحين في نظر المؤمنين به، والذي يستمد نفوذه على أتباعه من القدرة الخارقة للطبيعة (أي الخوارق والكرامات)، والإتيان بما يعجز عنه البشر عادة، والاستمداد من العلم اللدني(5)(4) .
    نلاحظ في هذه التعاريف أن الطريقة الصوفية تتكون من الشيخ العالم أو المربي أو المعلم ذي السلطة الروحية التي اكتسبها بسبب اجتهاده وتعليمه أو لعلو مكانته الاجتماعية بين عشيرته وبين الناس، كما تتكون من المريد الذي يعد تلميذا وسالكا في الطريق بهدى شيخه، والوسائل التعليمية التربوية والطقوس التعبدية والتعاليم التي يلزم المريد التشبث بها إيمانا أو قولا أو عملا .
    كما نلاحظ أن الطريقة الصوفية سلطة حاكمة تأمر وتنهى، تتسع صلاحيات هذه السلطة وتقوى بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية، كما تقوى بحسب ما تملك من مؤيدين وأتباع وأموال وبحسب قوة شخصية الشيخ أو المؤسس وأعماله وآثاره، ونلاحظ في التعريف الثالث أنه يحكي واقع الحال لما وصل إليه التصوف خلال العهدين العثماني والاستعماري من تصور وجوب وقوع الكرامات وخوارق العادات على أيدي زعماء التصوف ليكونوا أهلا للمشيخة .
    نشأتها وتطورها:
    منذ الرعيل الأول من المسلمين يجتمع الناس في الخطب والدروس والمواعظ إلى أئمة وشيوخ ويتحلقون حولهم ليستمعوا إلى تفسير آيات القرآن وشرح أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وليتعرفوا إلى عقائد دينهم وأحكامه وما يجب أن يقوموا به اتجاه ما يستجد عليهم وما يعترض حياتهم من مسائل ومعضلات .

    إذن تعتبر حلقات العلم والذكر حول علماء ومفسرين وفقهاء النواة الأولى لنشأة الطرق الصوفية التي انتشرت في كثير من الأقطار العربية والإسلامية، وضربت جذورها في الميادين الاجتماعية والتربوية والثقافية والسياسية، والتي أعطت الاهتمام والعناية للجانب الروحاني في حياة الإنسان وتطلعه نحو التحرر والانعتاق من العبودية والاستعمار.
    ويرجع المؤرخون ظهور نظام الطريقة إلى بداية القرن الثاني عشر الميلادي (6)، وعند ظهورها تميزت بثلاث خصائص هي (7):
    1 – الشيخ المؤسس الذي يرجع إليه أتباعه كلهم باعتباره رئيسا للجماعة ومنظما للرابطة.
    2 – الطريقة التي سنّها أو المذهب بما فيه من شعائر وطقوس وأوراد .
    3 – نوع العلاقات التي تربط بين أفراد الجماعة، وهي علاقات تتوثق أحيانا وتضعف أخرى .
    وتركيب هذه الخصائص الثلاثة هو الذي يعطي لكل رباط أو مشيخة أصالتها ووحدتها وقوتها ويمد كل عضو فيها بنوع من الإحساس حتى يطمئن إلى كونه منتميا إلى هذا التنظيم القار المكين(Cool .
    وكانت هذه الخصائص مطلوبة، وعلى الخصوص في مناطق وعصور عمّتها الغزوات ومزقتها الحروب وفككتها خلافات الأسر المتنافسة على وراثة الحكم وقطعت أواصر العلاقات بينها الانقسامات الدينية اللاهوتية وفرقت بينها الصراعات الثقافية والحضارية، كل ذلك ولّد مناخا باعثا على القلق فكان الانتماء إلى جماعة بنت علاقتها على الانسجام الروحي هو الذي يُطمع معه أن يخفف من وطأة هذا المناخ الكئيب(9) .
    وترجع تسمية هذه الطرق إلى أسماء أقطابها ومشائخها البارزين المشهورين، وقد تخلدت أسماؤهم بنسبتها إليهم، وربما رجعت تسمية الطرق إلى أقطابها باعتبار اجتهادهم فيها وخدمتهم لها، فأطلق هذه التسميات مريدوهم وتلاميذهم وأتباعهم ومحبوهم، إذن فإضافة الطرق إلى أسماء هؤلاء الأقطاب لم تكن بأمرهم وإنما حدثت من غيرهم لأن كل واحد من المشائخ كانت له آثار واضحة في نشاطه واجتهاده في ترتيب أذكار وتوظيف أوراد وإضافة بعض الآداب والأخلاق(10) .
    ومع ذلك فلا تقتصر معظم الطرق على مشائخها الذين تسمت بهم فهناك شخصيات كثيرة تنتحلها وتنتسب إليها كأبي القاسم الجنيد بن محمد (11) وأبي يزيد البسطامي (12) الذي وجد في سلاسل فرق كثيرة مثل النقشبندية (14)(13)، للإشارة فإن المتصوفة عموما اهتموا بتتبع سلاسل مشائخ التصوف وعلمائه وخاصة بعد أن ضعف التصوف واحتاج الأمر إلى سند يجلب احترام المريدين وإعجاب الناس، وهذه السلاسل الكثيرة التي أوردها المتصوفة تنتظم في سندها المتصوفين المعروفين من أول التصوف إلى وقت تنظير الطرق الصوفية(15) .
    وتميزت هذه الطرق عن التصوف القديم من حيث أنها تبنت طابعا خاصا وأسلوبا معينا ومحددا في الوصول إلى الفناء والشهود (16)، وإذا كان بعض هذه الطرق قد أسس قبل الغزو المغولي - 656/هـ1258م- فإنها تعددت وتشعبت منذ القرن الرابع عشر الميلادي في أنحاء العالم الإسلامي، وكان أول من نادى بها وأسسها عبد القادر الجيلاني في بغداد(17) .
    وقد أسست هذه الطرق زوايا كانت ملاذا وملجأ ومحضن تربية وتعليم لأتباعها ومريديها، فالزاوية عبارة عن مؤسسة تعليمية تربوية تهذيبية وتثقيفية للنفوس والعقول والأرواح، أضف إلى ذلك ما قامت به من الخدمات الاجتماعية والأعمال الإنسانية في إيواء العجزة والأرامل والأيتام والفقراء والمعوزين والغرباء وأبناء السبيل، وبهذا دافعت الزاوية عن القيم الأخلاقية وحافظت على مقومات الهوية الوطنية وصانت عناصر الشخصية العربية في العهدين العثماني والاستعماري، ووقفت أمام حملات المسخ والتنصير (18)، وغدت قوة روحية واقتصادية واجتماعية، يفد إليها الحجاج والزوار ليجدوا المأوى والغطاء ومكانا للعبادة والتأمل، وليستمعوا إلى النصيحة والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(19) .
    ونستطيع أن نخلص إلى أن الطرق الصوفية نشأت بداعي المحافظة على العلائق الروحية والاجتماعية في ظروف اتسمت بالصراعات والخلافات السياسية والمذهبية وببدء تراجع القوة العلمية للحضارة العربية الإسلامية، وفقدان علم الكلام المبني على الاستدلالات العقلية لفعاليته وجدواه، كما نخلص إلى أن الطرق الصوفية اجتمعت في نشأتها وتطورها من حيث الأهداف والغايات، ومن حيث أنها اعتنت بأعمال القلوب وأحوالها وجعلتها أساسا للأعمال الظاهرة، وافترقت هذه الطرق من حيث الوسائل فلكل طريقة وظائفها وأورادها الخاصة، ولكل طريقة قواعدها التنظيمية ونوع العلاقات الرابطة بين الشيوخ والمريدين .
    نشأتها بالجزائر:
    يجمع العديد من العارفين بخبايا التصوف أن الحركة الصوفية قد شاعت بالمغرب العربي منذ القرن الخامس الهجري أثناء حكم المرابطين حيث انتشرت آراء أبي حامد الغزالي من خلال كتابه (إحياء علوم الدين) الذي تعرض للحرق والإتلاف بأمر من علي بن يوسف بن تاشفين (477 هـ/537 هـ)، وبرغم هذا يبدو أن ظاهرة التصوف قد رسخت في صفوف المجتمع المغاربي، بل ازداد تمتن قوتها أيام الموحدين، إذ نلاحظ أن كبار صوفيي المغرب العربي عاشوا تقريبا في عهد الموحدين(20) .
    وترجع أسباب تطور التصوف في المغرب العربي وخاصة الجزائر إلى عدة مؤثرات أهمها:
    1 – الاتصال بالمشرق وأعلامه في التصوف عن طريق الحج، والتتلمذ على هؤلاء الأعلام والاطلاع على مذاهبهم واتجاهاتهم وفلسفاتهم في هذا الميدان والتزود بالكتب والمؤلفات المهمة فيه كرسالة القشيري وقوت القلوب للمكي وإحياء علوم الدين للغزالي وغيرها .
    2 – التأثر بالمذهب الشيعي الذي تسرب إلى المغرب الأوسط وبفكرة المهدي التي بنيت عليها الدعوة الفاطمية وكذلك الدعوة الموحدية .
    3 – الأوضاع المتدهورة، فمنذ الربع الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي بدأت تسود في المغرب الأوسط الاضطرابات والثورات مما أدى إلى انعدام الأمن والاستقرار وتدهور الحالة الاقتصادية وتلاها تناحر دويلات المغرب العربـي فيما بينها إلى مطلع القرن السادس عشر الميلادي (21) .
    وازدهرت الحركة الصوفية بالجزائر بتأثير الزاهد الأندلسي أبي مدين شعيب ابن الحسين (520هـ/594 هـ) الذي يعد شيخ الصوفية دون منازع بكل الأقطار المغاربية والأندلس في القرن6 هـ/12م وعمدة التصوف السني، وبعد أبي مدين نجد ممن وفد على الجزائر محي الدين بن عربي (560هـ/638 هـ) والذي يعد قطبا من أقطاب التصوف الفلسفي في عهد الموحدين بل في العالم الإسلامي أجمع، ومن مدينة بجاية واصل ابن عربي طريقه صوب المشرق حيث دخل مصر في أواخر القرن السادس الهجري، لكن المصريين نقموا عليه وعملوا على إراقة دمه نظرا لآرائه الفلسفية الصوفية حول وحدة الوجود، وهناك أقطاب آخرون نذكر منهم علي بن عبد الله الششتري (668هـ) والصفي عبد الحق بن شعيب (669هـ) (22) .
    وبتطور التصوف في الجزائر والمغرب العربي نستطيع أن نميز فيه اتجاهين هما(23):
    1 - الاتجاه الأول في التصوف السني ونعني به التصوف المستمد من النهج القرآنـي النبوي، والذي يُعنى بتزكية الأنفس قبل الأعمال الظاهرة، وبعلاج أمراض القلوب وأهواء النفس وسدّ مداخل الشيطان، وكان من رواده ابن النحوي يوسف بن محمد التلمساني (ت 513هـ) في العهد الحمادي، وأ بومدين شعيب بن الحسين الأندلسي (ت 594هـ) وأ بوزكريا يحي الزواوي (ت 611هـ) في العهد الموحدي .
    2 - أما الاتجاه الثاني ففي التصوف الفلسفي ونعني به التصوف الذي اختلط بمبادئ الفلسفة ومفاهيمها، والقائل بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، وكان من رواده ابن عربي أبو بكر محي الدين (ت 638هـ) وابن سبعين محمد بن عبد الحق الإشبيلي (ت 669هـ) وأبوالحسن الششتري علي بن عبد الله الأندلسي (ت 668هـ) .مع القرن 8 هـ/14 م كانت الحركة الصوفية قد قامت بدور أساس في رسم معالم الحياة الدينية والاجتماعية في الجزائر والأقطار المغاربية، ولم تعد هذه الحركة منذ ذلك القرن تقتصر على جماعة من الزهاد والمتصوفين بل تغلغلت في التقاليد الشعبية وأصبح المتصوفة يبحثون عن أماكن للخلوة والعبادة في المدن والبوادي والقرى، وانتشرت ألقاب مثل الولي والغوث والقطب وعِلم الحقيقة، وبدأ الناس ينخرطون في الزوايا ويؤمنون بالأولياء وكراماتهم ويندفعون إلى زيارة المقابر، وأصبح المتصوفة يمثلون قوة روحية(24) .
    ومن أكثر المصادر التي نهل منها التصوف بالجزائر والمغرب العربي كتاب الرعاية لحقوق الله للحارث بن أسد المحاسبي (ت 243هـ) وقوت القلوب لأبي طالب المكي (ت 386هـ)، والرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ت 456هـ) وإحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت 505هـ)، وهي مصنفات في التصوف السني تطرح الخطوات التي يقطعها السالك بواسطة المجاهدات للوصول إلى النجاة كما حددها المحاسبي وإلى تقويم النفس وتهذيبها عن طريق الإرادة والرياضة لبلوغ مرتبة الأنبياء والصديقين والصلحاء، ثم النزوع إلى الكشف عن عالم الغيب وهي مرحلة فراغ القلب عما سوى الله كما تبينها الرسالة القشيرية وإحياء علوم الدين، وقد أصبحت هذه المصنفات منذ النصف الثاني من القرن 5هـ/11م متداولة بين القراء في حلقات الدرس بتلمسان وبجاية وقلعة بني حماد(25) .
    وبكثرة المتصوفة وقوتهم بدأت تتشكل الطرق الصوفية، ويرجع المؤرخون بداية ظهورها بالجزائر إلى القرن السادس عشر الميلادي، ثم أخذت تنمو وتتسع حتى انتشرت على نطاق واسع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي والربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وأهم هذه الطرق: القادرية، الرحمانية، التجانية، درقاوة الشاذلية(26) .
    ويعود انتشار الطرق الصوفية بالجزائر إلى عوامل أهمها(27):
    1 – أن الشعب بدأ ينبذ سلطة المرابطين الذين لم يعودوا يعبرون عن شعور القبيلة ومصلحتها، بالإضافة لانغماسهم في الترف .
    2 – اضطهاد الحكم العثماني للشعب وإرهاقه بالضرائب، مما جعله يبحث عن قوة جديدة تحميه ويلتف حولها، فوجد ذلك في الطرق الصوفية التي لم يقتصر نشاطها على نطاق القبيلة الواحدة بل اتسع ليشمل عشرات القبائل والعشائر، فالطرق الصوفية التي نشأت في العهد العثماني كانت بمثابة حركات مناهضة للسلطة حين لمست منها الظلم والاضطهاد والجشع، وكذلك الحال في العهد الاستعماري إذ قويت هذه الطرق وأسفرت عن وجهها كواجهة للدفاع عن الدين والوطن .
    3 – غالبا ماكان مؤسسوا الطرق من الأشراف أو ادعوا الشرف مما جعل الناس يتسابقون على الانتماء إليهم واتباع تعاليمهم باعتبارهم من الدوحة النبوية، وبذلك ازداد أتباعهم بكثرة .
    4 – حدوث تطور اجتماعي في عقلية أبناء القبيلة، فعضو القبيلة لم يعد ينحصر أفقه في نطاق القبيلة فحسب، وإنما أصبح يشعر ويتحسس – ولو بطريقة بسيطة – الانتماء للوطن لا للموطن، ومما يوضح ذلك مشاركته في الثورات ضد الحكم العثماني كثورة درقاوة سنة 1805م في الغرب، وثورة ابن الأحرش سنة 1803م في الشرق، وثورة التجانية سنة 1825م في الجنـوب الغربي، ومن ثم فإن الطـرق الصوفية مهدت للوحدة الوطنية التي أخذت شكلها النهائي على يـد الأمير عبد القادر .
    5 – اتخاذ كافة الطرق الوسط الريفي ميدانا لنشاطها - لصلاحيته لنشر الدعوة واكتساب الأتباع بحكم ضعف المستوى العقلي لسكان الريف – ساعد على انتشارها وتوسعها، وفي الوقت نفسه ضمنت الابتعاد عن أنظار ومراقبة السلطة العثمانية .
    6 – اعتماد مؤسسي الطرق وسيلة الإغراء من الكرامات والغفران لكل من تبعهم، والتي أثّرت على العقول وجعلتها تتقبل هذه الطرق وتدافع عنها بكل ثقة وإيمان، وبذلك حققت هذه الطرق التوسع والانتشار وكسب الأنصار، وضمنت لنفسها الاستمرار والنفوذ .
    7 - ومن العوامل الهامة في انتشار الطرق الصوفية بالجزائر أنها (أي الطرق الصوفية) سُميت بأسماء أقطابها ومشائخها البارزين المشهورين، الذين كانت لهم آثار واضحة في جهادهم واجتهادهم من ترتيب أذكار وتوظيف أوراد وإضافة بعض الآداب، يقول عبد القادر الشطي: "ولعل هذه التسميات أيضا (الشاذلية أو الخلوتية أو القادرية أو العزوزية أو الطيبية أو الرحمانية أو الهبرية أو التجانية أو الدرقاوية) ترجع إلى أقطابها باعتبار اجتهادهم فيها وخدمتهم لها، فأطلق هذه الأسماء مريدوهم وتلاميذهم وأتباعهم ومحبوهم" (28) .
    وبعد إيراد هذه العوامل نخلص إلى أن تأثر الجزائر بالتصوف والطرق الصوفية المتواجدة بالمشرق العربي كان عن طريق رحلات الحج والرحلات العلمية، وعن طريق المؤلفات الصوفية التي ذاع صيتها كالإحياء لأبي حامد الغزالي، وقد ازدادت الطرق الصوفية بالجزائر قوةً نهاية العهد العثماني أي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وصار لها بعد ذلك شأن عظيم من حيث التعليم القرآني والوقوف في وجه الغزو العسكري والثقافي والتنصير الأوربي، ومن حيث التكافل الاجتماعي ومؤازرة الفقراء والمحتاجين، ومن حيث نشر الإسلام في إفريقيا في عصر ساءت فيه الأحوال المعيشية والثقافية والسياسية .
    وإن كان جميعها (أي الطرق) قد بُني على حب الله وحب رسوله والزهد والتقشف وإيثار الآخرة على الدنيا والانقطاع للعبادة إلا أن معظمها قد فشا فيه تقديس الأولياء إلى حد العصمة والتبرك بالأضرحة والقبور والاستغاثة بالموتى والاهتمام المبالغ بالكرامات المتوهمة وخوارق العادات وترك العمل بالأسباب وإهمال جانب العلم
    الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
    http://sidicheikh.yoo7.com
     

    الطرق الصوفيـــَّـــــــــة

    استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
    صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

    صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
    ســـــــــيدي الشــــــــــيخ ::  :: -